جرحى لبنانيون.. محمد سيعيش.. سميرة ربما لا

وصلت سميرة سويد إلى مستشفى جبل عامل عند العاشرة من صباح السبت 12-8-2006. لكنها وصلت بلا دمها. دمها سال كله في الطريق من قريتها إلى المستشفى.
هي أصيبت عند الرابعة من عصر يوم الجمعة، في غارة استهدفت بيتها في الضهيرة. وضعها أقاربها على حمار ومشوا بها إلى الناقورة. على ظهر حمار. من الناقورة حملوها من سيارة مارة إلى سيارة أخرى. أمضت ليلها على الدرب الطويل الخطر. وصلت إلى المستشفى بعد 18 ساعة.
عولج الجرح في الفخذ واحتاج الجسد إلى 8 وحدات من الدم. لكن دماغها أصيب بتلف كامل نتيجة النزيف على الطريق.
لو أنها وصلت مباشرة بعد الإصابة، أو لو أن جرحها لف بقماشة، لما كان هذا حالها. هي الآن في حالة موت سريري.
يقول مدير المستشفى الدكتور أحمد مروة إنه لا أمل لها بالحياة.
محمد الحاج
أوصله الهلال الأحمر الفلسطيني عند السادسة من مساء الجمعة. كان خلف والده على الدراجة النارية حين استهدفهما صاروخ المقاتلة الحربية عند الرابعة عصرا. الوالد الخمسيني، سمير الحاج، ظهره محروق. عولجت إصابته لكنه ما زال يهذي.
هو لا يعرف ما حدث، هو لا يتذكر اسمه حتى. محمد وصل إلى المستشفى بساقين مطحونتين تماما. لا عضلات، لا أعصاب، لا شرايين.
إحدى ساقيه بترت فوق الركبة. الساق الثانية بترت تحت الركبة، لكنها ستحتاج إلى بتر جديد من فوق الركبة.
محمد تحت تأثير المخدر منذ وصل المستشفى. يقول مروة إن محمد سيعيش. لكن محمد ما زال نائما في العناية الفائقة. لا يدري شيئا عن حياته التي تغيرت إلى الأبد.
فقط حين يفيق من المخدر سيعلم أنه صار بلا ساقين. هو اليوم في الحادية عشرة من عمره.
مقطع الأوصال

هل تُضاف ساقا الدركي اللبناني المُصاب في مستشفى تبنين في الجنوب إلى قائمة المجازر الإسرائيلية، بعدما تعفنتا وأصيبتا بمرض الغرغرينا وباتتا مُهددتين بالبتر؟ لم تكن إصابته قوية، لكن ذلك الشاب وجد نفسه مُحاصرًا بفعل التدمير المنهجي للبنية التحتية الذي مارسته إسرائيل خلال شهر من عدوانها على لبنان. لم تعد الطرق في قرى الجنوب اللبناني تصل إلى أي مكان، ولم يتمكن المُصاب الذي قضى عمره في حفظ أمن الناس من الوصول إلى مستشفى.
لم يجد مُعالجوه دواء سوى عشب الطيون و… البن، حاولوا استعمالهما، مع ما تيسر من مُزق قماش شُكّلت كضمادات، لوقف النزيف. لم يتوقف خيط الدم، وساهم العلاج البدائي في منع التغذية الدموية من الوصول إلى رجلي الشاب. فازرقتا ثم شحبتا واسودتا، وشرعت رائحة كريهة تتصاعد منهما. إنها الغرغرينا.
وفي هدأة من القصف، تمكنت سيارة للدفاع المدني من نقل الشاب، مع بقية طاقم المستشفى، إلى صور المحاصرة، حيث يحاول جراحون دفع شبح البتر عن ساقيه. هل تنجح محاولة اللحظة الأخيرة، أم يصبح المُصاب مقطّع الأوصال، كأنه صورة مُصغرة للوطن الذي أمعنت الطائرات الحربية الإسرائيلية في تقطيع أوصاله على مدار شهر من انفلات العنف الهمجي؟.

نقلا عن صحيفتي “السفير” اللبنانية و”الحياة” اللندنية