عودة النازحين للجنوب.. هنا كان بيتي وضيعتي

لم تخل فرحة آلاف النازحين اللبنانيين بالعودة إلى قراهم ومدنهم في الجنوب والبقاع والضاحية من غصة منعت اكتمال الفرحة، فالبعض إما فقد ابنا أو أخا أو حتى أسرته بأكملها، فيما يبدو البعض الآخر مهموما بتحول منزله إلى أنقاض بفعل القصف الإسرائيلي، لكن الجميع كان مشتاقا لأرضه وداره وضيعته، حتى لو كان قد تحول إلى أنقاض.

نجيب سعد، أحد النازحين في مجمع سكني في الكولا، كان أحد الذين لم تكتمل فرحتهم باستحقاق العودة، بعد أن دمر منزلاه في حارة حريك وعيتا الجبل. والأكثر من ذلك أنه لن يجتمع شمل العائلة من جديد، فزوجته أسمهان قضت بجلطة دماغية نتيجة ظروف التهجير.. لم يعد لديه ما يتكئ عليه هو وأولاده.

معاناة زينب الزين وابنتيها تبدو أقل من سعد لكنها ليست هينة، زينب وأسرتها أصبح مصيرها مجهولا. “الفيلا” التي كانت تسكن فيها في جويا سويت بالأرض، وفقدت معها “غلة” العمر التي كانت حصدتها خلال فترة إقامتها وزوجها في إفريقيا. كما أنها اضطرت إلى بيع سيارتها بثمن بخس لتأمين انتقالها إلى بيروت. وهي اليوم تلح على سؤالها: “إلى أين سنذهب؟”.

آلاء بدر الدين لم تستمع إلى مخاوف أولادها الذين رجوها البقاء لأيام قبل الانتقال إلى الشياح. “نخاف غدر إسرائيل” تقول ابنتها منيرة. ولكن الأم تتوق إلى البكاء على عتبة بيتها، وتقبيل زوجها الذي فضل الصمود في منزله متحملا “أهوال” مجزرة الشياح وتداعياتها على سكان المنطقة.

هؤلاء من ضمن العائلات التي خلق لديهم قرار وقف إطلاق النار هاجسا جديدا من نوع آخر، إنه البديل السكني. ويشير يعقوب قصير الناشط في أحد مراكز الإغاثة إلى أن هناك توجها لاستئجار منازل خلال أسبوعين للذين فقدوا منازلهم، خصوصا في الضاحية الجنوبية، بالتنسيق مع “الهيئة العليا للإغاثة”. كما أن هناك خطة لدى الهيئة لاستئجار غرف لهؤلاء في فنادق من فئة 3 نجوم.

بين اللهفة والترقب

تتفاوت المشاهد في مراكز النزوح في بيروت وبرج حمود وعين الرمانة. بعضها يشهد حركة عودة ناشطة، وأخرى حركة خجولة.

حديقة الصنائع في بيروت تحمل الشيء ونقيضه. ناس يودعون المكان والرفاق، وآخرون ينتظرون “بالصف” لنيل حصصهم الغذائية من إحدى الشاحنات، بما يشي بالبقاء. رجال يتفاوضون مع سائقي الشاحنات على تسعيرة النقل، وآخرون يعيدون نصب خيمهم التي خلع بعضها الهواء.

جميلة قدوح تصر على البقاء على مقعدها الخشبي في الحديقة، وتقول: “منزلي تضرر في حارة حريك، وطلب مني عدم التسرع في العودة، ليتسنى تنظيف المنطقة من الأجسام الغريبة الناتجة عن القذائف الانشطارية”.

أما خديجة عبد الحسين فوضعها أسوأ: “بيتي عالأرض في بنت جبيل، وزوجي عنصر في الدفاع المدني هناك، ومع ذلك ما زلت أنتظر لنيل الحصة الغذائية”.

“حديقة الصنائع” التي تحولت إلى “ضيعة الصنائع”، كان بلغ عدد روادها 1200 شخص. غادرتها، الإثنين 14-8-2006، عشرات العائلات إلى الضاحية الجنوبية بالدرجة الأولى، برغم تلقيهم نصائح بالتريث، لكن الناس تواقة للعودة وفخورة بها في آن.