أم كمال.. عجوز سبعينية صمدت عندما ركع الحجر

هي في الثالثة والسبعين من العمر، مقعدة، بالكاد تجرّ القدم أمام القدم. اسمها خديجة حسين مروة، وقضت 35 يوماً في قبو بيتها في البيّاضة، إحدى القرى الحدودية بجنوب لبنان.
وحيدة عاشت في البيت، وعندما بدأت تسمع القصف اختبأت في القبو. هناك، كان لديها
كيس حمص وكيس عدس مجروش وكيس عدس حب. وكان لديها جالون ماء، وبعض حبات البطاطا.

تسلق الحبة في الصباح، تأكل نصفها، وتحتفظ بالنصف الثاني إلى العصر، تهرسه
وتأكله. لديها أيضاً ثلاثة أرغفة خبز، نشفتها في اليوم الأول، وبقيت تقضمها على مر
شهر وخمسة أيام. فمها الناشف تبلله بمنشفة رطبة، كي تتماسك. و”الحمد لله اللي تركلي
نتفة مي بهالخزان”، لكن: “يا الله، ابعتلي ولاد الحلال اللي يقيموني من هون”.
“كلن فلوا وما حدا أخدني معه.. تركوني وحدي هون”. تعتذر منها جارتها مؤكدة أن
النازحين طمأنوهم إلى أن الصليب الأحمر نقلها: “ما شفتش حدا ولا حدا شافني.. وحدي
بقيت هون.. وحدي يا ألله ما تنساني، أدعي وأدعي وأدعي.. والله لا يفرجيكن
الصواريخ.. والطيارة لمن تجعر.. يا خيي يا خيي يا خيي.. يا الله ما تنساني يا
الله”.
لا تصدق أن الله استجاب لدعائها. تشعر بأنها محظوظة، ويهرب الكلام من لسانها بلا
تفكير. دفق من الأدعية يبللها الدمع. دفق من الدموع يعصر قلب أي شيء حي. تخشى أم
كمال عودة المقاتلات الإسرائيلية. وتخاف أن تسمع الصواريخ مجددا. ولرصاص الاشتباكات
وقع خاص في أذنها.. من كل ما جرى “نشفت روحي، انطفت عيني، ما بقى إقشع.. يا حبيبي
يا الله بعتلي مين يشفق علي”.
35 يوما وحيدة
يختلط الفعل الماضي بصيغ الحاضر، على لسانها. كيف يمكن لأي كان أن يؤكد لها أن
كل شيء بات على ما يرام، أن ما خبرته يمكن أن يصبح ماضياً، يمكن أن ينتهي، أن يزول،
أن يمحى، هكذا في لحظة، لحظة ارتجتها ولم تحل على مر 35 يوماً، على مر 840 ساعة.

أمس الأول أمّ القرية قلة من الشباب، لكنهم هجروها سريعا عندما طردهم
الإسرائيليون منها. هجروها وبقيت السيدة محتجزة في رعبها.
أكثر ما كانت تخشاه أم كمال هو أن يكتشف الإسرائيليون مخبأها: “إسى بيجوا
بيلاقوني وشو بدن يعملوا فيّ يا الله”. عاشت وأذنها أداة تعذيب، لا يسكنها ما لا
يطمئن صاحبتها، السيدة التي جلدتها الأصوات.
عندما تتكلم، لا تجري حديثاً. تقول ما يجول في بالها. لقد بات هناك، أخيراً، من
يستمع إلى كلامها.
مازالت تخشى أن تترك وحيدة. أن يرحل الآتون، من دونها. فهم، في الأساس، لم يأتوا
من أجلها. لم يأت أحد من أجلها.
لكن قبل حوالي 15 يوماً، تلقت أم كمال زيارة سريعة: “إجو لعندي أربع شباب”.
صامدون في أرض النار، صدف أن اتكئوا على قبوها. دخلوه واحتضنوها بالأيدي. قالوا
لها: “يا حاجة صلي وادعي لنا. قلتلن إني عم صلي”.
تخبر عن شاب من بين الأربعة، “إن شاء الله يكون سالم بحضن أمه”، جلس فوق العتبة.
أرادت أن تزيحه لتسلق له ولرفاقه عدساً أو حمصا، لكنه كان يبكي. سألته: “راح لك
صاحب يا ابني؟”. أجابها: “عم ببكي عليك يا حاجة.. عم ببكي عليك”.
رفيقة الوحدة
رحلوا وتركوها لرفيقتها الوحيدة التي تقول أنها كانت أكثر ما يسليها: إنها
الساعة التي حملتها من فوق ووضعتها نصب عينيها تحت: “بالليل، ما أقدر أنام.. الضرب
ما كانش بعقل يا بنتي.. الضرب كان قاسي عليّ.. قول: يا ربي، إديش الساعة؟ إمتى بدو
يخلص الضرب؟ الساعة 10، الساعة 11”.

كل الناس كانوا يسألون عن موعد انتهاء الحرب.. أما هي فانتظرت هذه اللحظة، أمام
الساعة، وعقاربها، ثانية بثانية، وحدها، في البيّاضة.
كانت في ملابس النوم. بالأمس، ارتدت فستان الخروج، للمرة الأولى.
تناولته يدها بسرعة من قربها، والقبو لا يتسع لأكثر من مد اليد. طوله متر ونصف
وعرضه كذلك. لحسن الحظ، فيه حمام. تضع الوسادة على الأرض، تسندها إلى باب الحمام،
وتستلقي في الليل. عندما تهدر الطائرات المقاتلة من فوق رأسها، ويشتد وقع النار
عليها، كانت تزحف إلى فوق الكرسي الصغير، تجلس وتحتضن نفسها: “بشد على حالي يا
بنتي، أمسك حالي وأدعي: يا رب ترد عني هالغيمة يا رب.. يا رب إنت خلقتني، دبّرني يا
رب”.
ولقد فعل. فعلى جنبها، تعلّق شباك باب القبو بلا سبب منطقي. زجاجه تهشم، لكنه
بقي مكانه. وبقيت لها النعمة التي شكرت ربها عليها بالقدر الذي شكرته على الحياة،
وهي شباك منخل، منه كانت ترى نيران المعارك. ومنه رأت بقرات الضيعة تسير بلا ماء
ولا طعام. ومنه رأت “البقرة المعتّرة اللي شو ذنبها”، تموت.
رائحة الموت
تفوح رائحة الموت من القرية. أما الحاجة، سيدة القرية، فحُفظت للحياة كي تخبر.
تخبر ما لا يمكن لأحد أن يتصوره. مهما كتبنا ومهما قرءوا، لا يمكن لأحد أن يبلغ ربع
ما تقوله عينها. فعينها تنظر إلى الأمل الذي تحمله صورة الآتين، وتحتضن النظر.
لم تتجرأ على شق باب القبو قليلاً إلا أمس الأول. تقول إنه منذ يومين: “الساعة
تماني الصبح، ما عدتش أسمع الرصاص اللي بيفقع”.
يخبرها الآتون أن الحرب انتهت يوم الإثنين. فتقول: “إيه، ما بعرف”. هي لا تعرف
ما نعرفه نحن من صور وتصريحات ومفاوضات.. هي تعرف أن بدنها المسنّ، منذ يومين، ما
عاد يرتج بفعل الصواريخ.
كانت لحظة سعيدة تلك التي رأت فيها بشرا قادمين بالحياة. يختلط الأمر على
دموعها، فهي تسيل على الخدين العتيقين لأسباب عدة.
فاللحظة لن تمحو ما جرى، لكنها على الأقل تعد بنهاية له. فتستدرك: “والله والله
والله حسيت إنو هالنهار بدو يجي حدا ياخدني وبدي إمشي”. وتلك فعلاً نبوءة، فهي تعجز
عن المشي.
أمسك الرجلان بزنديها، وأعانوها على التقدم في أرض بلا معالم. ترى البياضة،
مثلما أصبحت، للمرة الأولى، وفي الآن ذاته تخرج منها. تقوم من جلوسها لترى انهيار
قريتها. باتت الوحيدة المنتصبة هنا، بعدما كانت تحزر هوية صاحب البيت الذي وقع. لم
تكن تتوقع كل هذا الدمار. ولا يسعفها اللسان على نعي المشهد وشكر المعاونين وسرد
الماضي، في آن.
ينهك البدن، فترتاح إلى حجرة، إلى كرسي، قبل أن تستعيد المشي، مستعينة بكرسي
البلاستيك. تغرزه في الأرض، وبيدها الأخرى تمسك العصا. لكن هذا ليس حلاً يا حاجة أم
كمال. تعود إلى الاستعانة بالناس، بعدما اعتادت إيجاد الحل، وحدها. بات بوسعك
الاستعانة بالناس، يا أم كمال.
العمر الذي لم يحمها
المسافة التي تحتاج لعشر دقائق لقطعها على القدم السليمة، قطعتها أم كمال في
ساعة من الزمن تحت حر الشمس، ووصلت إلى مدخل القرية. هناك، استقلت سيارة لتقلها
إلى.. إلى أين يا حاجة؟ إلى بيت كنّتها في الصرفند. وشرعت ترثي لحال الكنّة التي
فقدت زوجها (ابن الحاجة) فانصرفت وحدها لتربية الأولاد بواسطة عملها في المستشفى.
هذا ملاذها، وهذا البيت الذي تنتظر الجلوس فيه. لا تريد أي وجهة أخرى، حتى ولو كانت
طبية. تريد أن تستريح. تريد أن تجلس في مكان وتبقى فيه قليلاً. تريد أن يستوعب
جسمها ما تعرض له، تريد أن تفسح المجال أمام ذهنها كي يهضم ما جرى. تريد الوصول إلى
الغاية الأخيرة. تشعرك بأن مشوارها لم يبدأ للتو، وإنما بدأ منذ أصبحت وحيدة في مهب
النار.
لا يحق لأي قوة في العالم أن تحبس امرأة في الثالثة والسبعين من عمرها في قبو
بيتها. لا يحق لأي قوة في العالم أن تمنع عنها الأمان وتشرع بدنها المنهك لخوف بلا
حدود. لا يحق لأي قوة في العالم أن تترك في جوف سيدة مسنة كل هذا الهلع.
ما عرفته الحاجة خديجة حسين مروة هو جريمة تعرّي الإنسانية. جرح يغرز في كل عين
شهدت عليه. جرح لا يمحوه العمر. العمر الذي لم يحمها.
* نقلا عن صحيفة “السفير” اللبنانية في 17-8-2006