الماء هو سر الحياة وبدونه لا يستطيع أي كائن حي أن يستمر على قيد الحياة، ورغم الأهمية الكبير ة للماء فإنه يتحول أثناء الفيضانات الشديدة إلى أداة للتدمير والتخريب بل إزهاق الأرواح وهذا ما يجري الآن في السودان حيث قتلت الفيضانات المدمرة العديد من المواطنين وشردت الآلاف بعدما جرفت المياه في طريقها منازلهم وكل ما يملكون من متاع الدنيا.
وقد حاصرت مياه الفيضان حتى الآن ست ولايات سودانية، هي: نهر النيل والخرطوم وسنار والبحر الأحمر والنيل الأزرق وكسلا، مسببة خسائر كبيرة بهذه المناطق.
ومن أجل شحذ الهمم لمساعدة المنكوبين في السودان، عقدت لجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب قبل عدة أيام ندوة شارك فيها مندوبون عن السودان وجامعة الدول العربية وعدد من المنظمات الأهلية في محاولة لتدبير إغاثة عاجلة لمساعدة المنكوبين.
وفي مستهل المؤتمر، أوضح السفير محمد عبد الله إدريس المندوب الدائم للسودان في جامعة الدول العربية أن فيضانات هذا العام تعد من أشد وأقوى الفيضانات التي شهدها السودان منذ عقود، مما جعل السودان يعاني من أزمتين إنسانيتين كبيرتين هما دارفور حيث يوجد اللاجئون والنازحون الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف، والفيضان الذي دفع أيضا آلاف المواطنين للنزوح من مدنهم وقراهم في ست ولايات كبرى من ولايات السودان.
وأشار إلى أن ارتفاع منسوب المياه في النيل الأزرق أحد فروع نهر النيل أدى إلى غرق القرى المطلة عليه، كما أن هذه المياه تصب في النيل الأبيض المتصل به فيفيض الماء على جانبيه ويغرق القرى الواقعة على ضفتيه، حيث توجد على ضفة النيل الأزرق ولاية سنار وولاية الخرطوم ونسأل الله أن يحمي شمال الخرطوم من الغرق.
تحذير بالرحيل
وقال السفير محمد عبد الله إدريس إنه تم إنذار سكان القرى والمدن على طول النيل والجزر الموجودة داخل النهر بترك مساكنهم لأن منسوب المياه ارتفع إلى أكثر من 14مترا وهذا لم يحدث منذ ستين عاما.
وأوضح أن المطلوب الآن هو توفير نوعين من المساعدات: الأول عاجل والآخر آجل.
أما العاجل وطبقا لما وافتنا به اللجنة العليا للطوارئ فهناك حاجة ماسة إلى الخيام كبيرة الحجم التي تسع أسرة أو أكثر، إضافة إلى الأغذية الجاهزة والأغطية. أما المساعدات الآجلة فهي بناء مساكن بعيدة عن مجرى النهر حتى لا تتكرر المأساة كل عام.
ولفت إدريس إلى أن السودانيين يحتاجون لوجود إخوانهم العرب والمسلمين إلى جانبهم وقت الشدة وهذا يمثل لهم نوعا من الدعم المعنوي يعينهم على الصبر والتحمل حتى ولو جاءوا فقط للاطمئنان ومواساة المنكوبين، فالإنسان يحتاج دوما لمن يقف إلى جانبه ويشد من أزره ويعينه على الصبر والتحمل والرضا بقضاء الله وقدره.
الجسد الواحد
من جانبه، أكد الدكتور جمال عبد السلام المدير التنفيذي للجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب أن اللجنة أرسلت وفدا من الاتحاد ومعه مساعدات عاجلة بقيمة 20 ألف دولار كدفعة أولى ثم أعقبتها بوفد آخر بمساعدات قيمتها 10 آلاف دولار، تتضمن خياما وأدوية ومشمعات ومواد إغاثية أخرى.
وأوضح أن الوفدين حذرا في تقريريهما من خطورة الأوضاع بسبب قوة الفيضان كما حذرا من كارثة إنسانية وصحية وبيئية بالمناطق المتضررة في شمال وشرق السودان، خاصة ولايات كسلا، والقطارف، ووادي حلفا، وسنار، داعيا الجامعة العربية والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة للقيام بدوريهما في تقديم الإغاثة العاجلة للشعب السوداني التي تتمثل وبشكل عاجل في توفير الأغذية والخيام والمشمعات البلاستيكية والأدوية ومبيدات الحشرات.
ونبه عبد السلام إلى أن موضوع الفيضان وآثاره المدمرة أكبر من أن تتولاه جهة واحدة، ولذلك فالحاجة ملحة لأن تتضافر جهود العديد من المنظمات والهيئات لأن المطلوب إغاثة عاجلة لمواجهة الآثار المترتبة على الفيضان ثم خطة طويلة الأجل لإعادة إعمار ما هدمته السيول من بيوت وقرى ومرافق عامة.
البشر والحجر
وحول كيفية التحرك لمساعدة السودان المنكوب، شدد السفير صلاح حليمة الأمين العام المساعد للجامعة الدول العربية للشئون الإفريقية على أنه لا بد من خطة مدروسة للإنقاذ، تشارك فيها الجهات الرسمية والأهلية، لافتا إلى أن الجامعة تلقت تقريرا عن الأوضاع داخل السودان وستعمل على توفير الاحتياجات اللازمة لمواجهة مخاطر الفيضان بالتعاون مع الحكومة السودانية.
من جهته، أشار طارق عبد الفتاح محمد نائب رئيس مؤسسة الزبير الخيرية السودانية، إلى أن حجم المأساة التي يعيشها السودان غير مسبوق، فالمياه تجرف أمامها كل شيء من البيوت والبشر والمرافق العامة، والمطلوب الآن المساندة العاجلة من جانب منظمات الإغاثة العربية والإسلامية والدولية لأن حجم الخسائر يفوق قدرات السلطات السودانية.
وأوضح أن إصلاح الأضرار في ولاية واحدة فقط يحتاج إلى 18 مليون دولار، وهناك أضرار مماثلة لحقت بخمس ولايات أخرى، مشيرا إلى أن مجموع المنازل التي دمرت بلغ أكثر من 1500 منزل، وهناك 4 آلاف أخرى تصدعت أجزاء كبيرة منها بسبب السيول والأمطار الجارفة.
وحذر عبد الفتاح من أن الأمور مرشحة للتفاقم بسبب استمرار الفيضان والسيول، مبديا استعداده لتقديم المعلومات اللازمة للمنظمات الإغاثية القادمة إلى السودان.
وفيما يتعلق بالجهود الأهلية لمساعدة السودان، قالت أسماء الحسيني المحررة بجريدة الأهرام نائبة رئيس أسرة وادي النيل: إن الأسرة بصدد تشكيل لجنة لإغاثة السودان تضم في عضويتها عددا من المنظمات الأهلية ومندوبي بعض الوزارات المصرية والسودانية إلى جانب اتحاد الأطباء العرب وتم عقد عدة اجتماعات لبحث كيفية تقديم الدعم العاجل للشعب السوداني والقيام بحملة إعلامية مكثفة للتعريف بحجم المشكلة.
وحثت الحسيني رجال الأعمال على التبرع والعمل على بناء القرى التي دمرها الفيضان ونقلها بعيدا عن مجرى السيول والأمطار.
شهود عيان
وكان التقرير، الذي أعده وفد اللجنة الإغاثية باتحاد الأطباء العرب عقب عودته من السودان، قد حذر من مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض بسبب انعدام مياه الشرب النقية والأدوية لعلاج الملاريا والكوليرا خاصة داخل معسكرات الإيواء التي إقامتها الحكومة، وأن ولايات نهر النيل والخرطوم والبحر الأحمر وسنار والنيل الأزرق وكسلا لحقها دمار شامل وتهدمت آلاف المنازل، فيما أعلن محافظو هذه الولايات أنها مناطق كوارث وطالبوا بالدعم الإنساني.
وحدد التقرير الاحتياجات العاجلة في الخيام والمشمعات والناموسيات والبطاطين وعمليات إصلاح البيئة والتوعية الصحية والمواد الغذائية المتنوعة وأدوية الإسهال والنزلات المعوية والملاريا والالتهابات ومياه الشرب النقية وخزانات المياه. أما الاحتياجات الآجلة، التي رصدها التقرير، فتتمثل في إعمار القرى وبناء مساكن للنازحين بعيدا عن مخرات السيول ومجرى الأنهار.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72645
