بعد 6 أشهر من الحصار.. الضفة بين رحى الفقر والبطالة

تتدلى أمام جزارة بمخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين قطعة لحم واحدة من خطاف حديدي فيما لا يبدي أحد أي اهتمام بها سوى مجموعة صغيرة من الدبابير التي أخذت في التحليق حولها.
وعلى الجانب الآخر من الطريق يوجد زقاق يعتبر الزقاق التجاري الرئيسي الذي يقطع المخيم الفلسطيني، ورغم ذلك فموازين باعة الخضر والفاكهة لا تزال خاوية ولم تتحرك ولو مرة واحدة في اليوم.
هذا المشهد أصبح أمرا اعتياديا في الضفة التي أصبحت ترزح من الفقر والبطالة حيث لم يتقاضَ 160 ألف موظف يعملون في السلطة الفلسطينية -الجهة الموظفة الأولى في الأراضي الفلسطينية- أجورهم منذ مارس الماضي بسبب الحصار المالي الذي تفرضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على تحويل الأموال للسلطة الفلسطينية، كما تحتجز إسرائيل عائدات الجمارك الفلسطينية التي تقدر بنحو 50 مليون دولار شهريا.
وفي الأسبوع الماضي بدأ موظفو الحكومة إضرابا بما في ذلك الأطباء والمدرسون بسبب عدم حصولهم على رواتبهم.
لا عمل ولا مال
وعن الوضع في نابلس بالضفة الغربية يقول نعيم الخطيب (40 عاما) وهو بائع خضر وفاكهة يدير متجر والده في مخيم بلاطة منذ 10 سنوات: “لا يوجد عمل ولا مال ولذلك لا أحد يشتري”.
وأضاف: “لم أشهد أسوأ من ذلك، أربح ربع ما كنت أحققه، لكني محظوظ فهناك آخرون وضعهم أسوأ”.
وفي حين تركز معظم اهتمام وسائل الإعلام في الأسابيع الأخيرة على حرب إسرائيل مع حزب الله في لبنان، أخذ الموقف في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل ينزلق من سيئ إلى أسوأ.

فالفقر يزداد شراسة في أماكن عديدة هناك منها مخيم بلاطة وهو أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية الذي يعيش فيه نحو 25 ألفا في منطقة لا تتعدى مساحتها كيلومترا مربعا واحدا.
ويقول ريان وهو مصور عمل كثيرا في إسرائيل إنه لم يشغل أي وظيفة منذ 6 سنوات وسيكون سعيدا بمساعدة صديقه في كشك بيع الخضر مقابل 20 شيكلا في اليوم، لكن صديقه بائع الخضر (57 عاما) يشكو بدوره من قلة العمل.
ويقول محاولا الابتسام: “أجيء إلى هنا لقتل الوقت فقط. أضطر إلى الهرب من المنزل وإلا فستوبخني زوجتي لأني لا أفعل شيئا”.
أما عبد الله الطيراوي صاحب الجزارة في المخيم فينشغل بأسرته وأطفاله السبعة قائلاً: “لم أبع شيئا اليوم والأمس بعت ما قيمته 150 شيكلا فقط (نحو 30 دولارا) وهو لا يكفي للطعام وحده”.
قال هذا وهو يستعد لإغلاق متجره رغم أن الساعة لم تجاوز الثانية ظهرا فقط بعد أن أنزل قطعة اللحم من الخطاف وأعادها إلى المبرد ليعود إلى عرضها ثانية في الغد وربما لعدة أيام أخرى.
نصف السكان عاطلون
وزادت البطالة بعد أزمة الحصار وإغلاق المعابر، ويقدر البعض أنها طالت تقريبا نصف تعداد سكان الضفة. وتكتظ شوارع نابلس بشبان يعانون من البطالة يحاولون قتل الوقت وسط شعور متنام بخيبة الأمل.
ولا يعتبر الوضع في قطاع غزة أفضل حالاً؛ إذ يعاني القطاع هو الآخر من الفقر والبطالة والركود في الأسواق.
وأدى الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني إلى شح في الأدوية وخاصة تلك المتعلقة بمعالجة أمراض الربو والفشل الكلوي التي يحتاج مرضاها لعلاج يومي للبقاء على قيد الحياة.
ويمضي أهالي الكثير من القرى والمدن ليالي مظلمة بسبب اعتمادهم على مولدات كهربائية تعمل بالسولار تكفي للإنارة فقط، ولفترة لا تزيد عن بضع ساعات كل ليلة بسبب عدم قدرة الأهالي على تسديد فواتير تشغيل المولدات وشح السولار خلال الشهور الماضية.
فقر وإغلاقات
وتشير دراسة أصدرها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى احتمال ارتفاع نسبة الفقر في المناطق الفلسطينية إلى ما يزيد عن نسبة 74% في حال استمرار الأوضاع الحالية.
وتقدر الأمم المتحدة بأن ثلاثة بين كل أربعة فلسطينيين سيصبحون مرغمين على العيش بأقل من دولار واحد يوميا، إضافة إلى توقع أن يصبح نصفهم عاطلا عن العمل خلال عامين.
وإضافة إلى الحصار الاقتصادي، تواصل قوات الاحتلال للشهر الثالث على التوالي إغلاق قطاع غزة بالكامل وعزله عن محيطه الخارجي ليبقى نحو مليون ونصف المليون مواطن فلسطيني داخل سجن كبير، وسط ظروف إنسانية قهرية.
وشددت قوات الاحتلال من إجراءات حصارها ومنعت التدفق الحر والآمن لإمدادات المحروقات والغذاء والدواء ومنعت خروج أي فلسطيني بمن فيهم أولئك الذين يحتاجون للعلاج في الخارج.
ولم تفتح قوات الاحتلال معبر رفح الحدودي والذي يُعد المنفذ البري الوحيد لأهالي قطاع غزة للتواصل الخارجي منذ 25 يونيو المنصرم إلا لفترات محدودة ومتباعدة.
كما تسبب إغلاق المعابر التجارية وعلى رأسها معبر المنطار، شرق مدينة غزة، بزيادة معاناة سكان القطاع، حيث يعاني القطاع من عجز شديد في المواد الأساسية.
واتفقت المجموعة الرباعية لوسطاء السلام في الشرق الأوسط يوم 10-5-2006 على إنشاء “آلية” دولية لتمرير المعونات المالية للفلسطينيين لفترة مؤقتة، غير أن تلك الآلية لم تنفذ بعد.