من الأخطاء التي لا تزال شائعة في مجتمعاتنا العربية أننا نقوم بتوزيع صدقاتنا على متسولي الشارع الذين ينشطون في شهر رمضان، لنحرم فئة أخرى من المستحقين نبهنا لها القرآن وهي التي قيل فيها “لا يسألونَ الناسَ إِلْحَافا”.. من هذا المنطلق بدأ صندوق الزكاة الأردني التابع لوزارة الأوقاف وبعض الجمعيات الخيرية فتح مصارف جديدة للصدقة تخدم في الأساس هذه الفئة.
وتستلهم هذه المصارف فكرة المثل الصيني الشهير “لا تعطني سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد”، فتحاول خلق آلية لا تلعب فيها الأسماك -أقصد الأموال- الدور الأكبر، ولكن تتركز في الأساس على توفير فرص العمل والتدريب التي هي بمثابة “السنارة” التي تصيد هذه الأموال.
والفرق بين الشكل التقليدي وهذا الشكل الجديد واضحة، ففي الحالة الأولى أنت تعطيه أموالا لعلاج الظرف الحالي، بينما في الثانية تغنيهم عن ذل السؤال إلى الأبد.
ويسير جنبا إلى جنب مع هذه المصارف الجديدة، مصارف أخرى وهي كفالة الأيتام والمرضى.
مشروعات إنتاجية
وعن أهم المصارف الجديدة للزكاة يقول وزير الأوقاف الأردني السابق د. أحمد هليل: إننا بدأنا من خلال صندوق الزكاة تطبيق ما يعرف بالمشاريع التأهيلية المنتجة ومعظمها من المشاريع الزراعية والحرفية بهدف مساعدة الأفراد والأسر المحتاجة بمشروعات خيرية تمكنهم من العيش بكرامة والكسب الحلال، وتغنيهم عن المساعدات النقدية الشهرية التي يقدمها الصندوق، بحيث يعودون أفرادا منتجين في المجتمع.
ويتزامن مع ذلك قيام بعض الجمعيات الخيرية بعقد دورات تأهيلية للشباب والفتيات من ذوي الأسر الفقيرة؛ بهدف إكسابهم المهارات والقدرات التي تمكنهم من الالتحاق ببعض الأعمال.
تشجيع العلم
ولأن العلم هو سبيل الأمم للتقدم أدخل صندوق الزكاة -أيضا- كما يؤكد د. هليل صورة أخرى جديدة لتشجيع العلماء وطلبة العلم، حيث تبنى الصندوق مشروع صندوق الطالب لتقديم المساعدة المالية لطالب العلم الفقير الذي يدرس في الجامعات والكليات لتسديد الرسوم الدراسية وأثمان الكتب.
هذا بالإضافة إلى مشروع الحقيبة المدرسية ويهدف إلى توزيع الحقائب والمستلزمات المدرسية على الطلاب الفقراء والأيتام، وذلك مع بداية كل عام دراسي؛ لتخفيف أعباء مصاريف بداية العام المدرسي عن هذه الأسر، وبرنامج العالِم الفقير لتكريم العلماء الفقراء من خلال تقديم المساعدات النقدية والعينية لهم تقديرا لجهودهم التي بذلوها في سبيل العلم، وينوي الصندوق تنفيذ دعمه هذا العام لـ100 عالم أردني فقير.
المرضى والأيتام
ولا يعني الاهتمام بفكرة العمل والإنتاج كشكل من أشكال الصدقة إهمال الفئات الأخرى غير القادرة على العمل، فلهذه الفئات اهتمام أيضا من خلال برامج الصندوق، ومنها صندوق المريض الفقير الذي يقدم المساعدة للمرضى والفقراء والمساكين بتغطية تكاليف معالجتهم في المستشفيات الحكومية والخاصة. وتساعد بعض الجمعيات الخيرية في هذا الاتجاه -كما يشير الدكتور عارف حجاوي المسئول عن إحدى عيادات جمعية المركز الإسلامي-، حيث تنظم بعضها الأيام الطبية المجانية التي نبعت فكرتها من جمعية المركز الإسلامي ووزارة الأوقاف، وتهدف إلى إقامة عيادات ومراكز طبية مزودة بأطباء من أصحاب الاختصاص في المناطق النائية لمعالجة كل من يحتاج بالمجان، وصرف الأدوية بالمجان أيضا.
كما يحتل الأيتام جانبا كبيرا من اهتمام الصندوق والجمعيات، حيث يتم الدعوة للأسلوب الجديد الذي تم اعتماده للكفالة، ويقوم على أساس التزام المواطن بدفع مبلغ من المال شهريا إلى إدارة الصندوق، وبعد اختياره لأحد الأيتام المراد كفالته يتم إرسال المبلغ لليتيم في نهاية كل شهر، ويبلغ عدد الأيتام المكفولين عن طريق الصندوق واللجان التابعة له حتى الآن 7750 يتيما.
هذا بالإضافة إلى مشروعات تزويج الفقراء وحملة طرود الخير لتوزيع الطرود الغذائية وبعض مستلزمات المنزل على الأسر الفقيرة خاصة خلال الشتاء، ومشروع كسوة العيد لجمع الملابس وتوزيعها على الأسر المحتاجة خلال موسم العيد، وصناديق جمع صدقة الفطر ومشروع موائد الرحمن. الإنسان المنتج
وعن أسباب الاتجاه إلى الوسائل غير النمطية في التصدق يشير محمد عبيدات أحد مسئولي صندوق الزكاة الأردني إلى إجراء الصندوق لدراسة ميدانية كشفت عن تزايد أعداد الأسر الأردنية التي تستحق الصدقة؛ بسبب ظروفها المأساوية رغم أنها لا تبادر إلى ذلك وتتعفف في طلب المساعدة، فكان التفكير في هذه الوسائل التي لا تجرح شعور هذه الفئة، وذلك في إطار خطة شاملة نسعى من خلالها إلى القضاء على الصورة النمطية للفقير لتحويله من متلق للمساعدة إلى إنسان منتج.
فكرة مطلوب تعميمها
ويبدي الشيخ جمال قطب مقرر لجنة الإعلام بالأزهر الشريف تأييدا كبيرا لهذه المصارف الجديدة للصدقة، معتبرا إياها أفضل بكثير من المال؛ لأنها تساهم في القضاء على مشكلة البطالة التي تهدد الأمن الاجتماعي بمعظم الدول الإسلامية، ولكنه ينبه على حقيقة هامة جدا وهي أنها لا تجوز مع الزكاة، إلا إذا تم إشباع الضروريات الأساسية لكل إنسان من المسلمين وغير المسلمين، وهي الطعام والشراب والكساء والسكن والعلاج والدواء.
تجوز بشرط
ويختلف الشيخ فكري حسن إسماعيل عضو لجنة السنة بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية مع الرأي السابق، مؤكدا على جواز إعطاء جزء من أموال الزكاة لهذه المصارف؛ لأن المستهدف هم الفقراء والمساكين أصحاب الأولوية في الزكاة والذين إن توفرت لهم فرص العمل من خلال هذه المصارف فسيتمكنون من توفير الضروريات الأساسية، ولكن بشرط أن تكون الأموال المعطاة من فائض أموال زكاتك بعد أن تكون قد أعطيت الجزء الأكبر منها للمستحقين من أقاربك، فالأقربون أولى بالمعروف.
ويشير الشيخ فكري إلى أن هذا الرأي ذهب إليه الكثير من العلماء المحدثين من أصحاب الفكر المستنير.
وبعيدا عن هذا الخلاف فإن الفكرة جيدة ونتمنى تعميمها بكل الدول العربية؛ لإنقاذ فئة ظلت طويلا في طي النسيان، رغم أن القرآن نبهنا إلى أنهم “لا يسألونَ الناسَ إِلْحَافا”.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72653
