حواجز الاحتلال.. موائد إفطار إجبارية للفلسطينيين

الساعة والهاتف الخلوي هما الشيئان الوحيدان اللذان انشغل بهما مئات الفلسطينيين الذين أعاق جنود الاحتلال مرورهم على حاجز حوارة جنوب مدينة نابلس قبل دقائق معدودة من أذان المغرب، فتجد من يتصل بصديقه المقبل على الحاجز ليأتي إليه بماء وفلافل وآخر قرر أن يأكل من الخبز الذي يحمله معه إلى بيته من المدينة.

معظم العالقين على الحاجز أعمارهم ما بين العشرين عاما حتى التاسعة والأربعين عاما وهو الرقم الذي حدده جنود الاحتلال على الحاجز لتقديم التسهيلات بالمرور أيا كانت الوظيفة التي تعمل بها طبيبا أو مهندسا أو معلما أو صحفيا لا يهم المسمى المهم أن تتطابق والمواصفات التي يضعها جنود الاحتلال على الحاجز.

ولا يراعي جنود الاحتلال خصوصية رمضان لدى الفلسطينيين، ويعمدون إلى تأخيرهم على الحواجز ساعات طوالا، وإخضاعهم للتفتيش الدقيق والمهين بإجبارهم على رفع ملابسهم.

إفطار على الحاجز

دقائق بعد أذن المغرب، وأقام المواطنون صلاتهم على الحاجز وبدءوا يتقاسمون ولائمهم البسيطة التي فرضها الاحتلال عليهم وبعضهم بدأ بتوزيع ما يحمل من طعام على الآخر…. فيما لاح من بعيد بشير خير يحمل كرتونة من التمر وقال إنه على روح الحاج محمد وبدأ بتوزيعها على المواطنين مفضلا الأطفال الذين بصحبة آبائهم والذين منعهم الاحتلال من تجاوز الحاجز بحجة أن آباءهم لم يتجاوزا الخمسين عاما ولا يحق لهم الحصول على تسهيلات من جنود الاحتلال.

ويروي العالقون على الحاجز معاناتهم، ويقول أحدهم: “أنا من الساعة الثانية عشرة ظهرا ولغاية اللحظة لم يأت دوري بالمرور.. هذا ظلم “، فيما صاح آخر محتجا لأن الجنود على الحاجز ضربوا عجوزا مما أدى لإصابته بكسور.

أحد المواطنين تحدث بنبرة تحدي قوية قائلا “المهم أن معنوياتنا عالية ولم يستطع الاحتلال كسر إرادتنا… حتى وإن أجبرنا الاحتلال على البقاء على الحاجز وأعاق مرورنا فلقد حولنا الحواجز إلى موائد إفطار وسنكمل صيامنا الذي يحاول الاحتلال أن يفسده”.

مشهد متكرر

المعاناة على حاجز حوارة لا تبدو استثناء بالنسبة للفلسطينيين بل هي القاعدة وما سواها هو الاستثناء، فالمشهد عبر الحواجز العسكرية المنتشرة على مداخل مدينة طولكرم بالضفة الغربية وبين المدينة وبلداتها، وكذلك على الشوارع الرئيسة التي تربطها بالمحافظات الأخرى، يبدو هو نفسه المشهد في نابلس.

حاجزا جبارة إلى الجنوب من طولكرم وعناب إلى الشرق منها؛ هما مثالان على ممارسات جنود الاحتلال تجاه المواطنين الفلسطينيين، حيث تخضع حركة المرور عبر الحاجزين لمزاج الجنود وتصرفاتهم الاستفزازية.

ويروى أحمد، الذي يقطن في طولكرم لكنه يدرس بجامعة النجاح الوطنية بنابلس قصة معاناته اليومية، مشيرا إلى أنه يضطر للمرور عبر حاجزي عناب وبيت إيبا وما بينها من حواجز طيارة، ويقول إنه وزملاءه ممن لا يستطيعون الإقامة في نابلس بسبب الظروف الاقتصادية العسيرة؛ يضطرون للمرور عبر الحواجز يوميا للوصول إلى الجامعة.

ويضيف “نخرج من الصباح الباكر لضمان وصولنا إلى الجامعة في الوقت المحدد، ولكن أمزجة الجنود وإجراءاتهم المتقلبة تمنعنا في كثير من الأحيان من الوصول إلا متأخرين، وأحيانا لا نصل أبدا”، مشيرا إلى أن “هذا يسبب لنا مشاكل في الجامعة وخسارة محاضرات مهمة، وقد اضطر الكثير منا لجعل دوامه متأخرا بعض الشيء لتجنب تأخير الصباح”.

أما بالنسبة للوضع في شهر رمضان الفضيل، فيلفت أحمد إلى أن المعاناة قد تفاقمت، وخاصة عند حاجز بيت إيبا، حيث الحركة البطيئة جدا لعبور الطلاب والمواطنين عبر الدواليب الحديدية، والتي تخضع لأمزجة الجنود”، ويضيف “أحيانا نمكث ساعتين أو ثلاثا وربما أكثر، حتى نتمكن من الخروج من نابلس، فنضطر إلى الإفطار عند الحواجز قبل وصول البيت”.

سفر حقيقي

ويشرح خليل، الذي يعمل في رام الله ويعود إلى عائلته في طولكرم ثلاث مرات في الأسبوع، قصته مع الحواجز واصفا الطريق إلى رام الله ” بأنه يُعد سفرا حقيقيا، رغم أن المسافة لا تتجاوز ساعة من الزمن بدون حواجز.

ويضيف “أخرج من بيتي بعد صلاة الفجر مباشرة، ولا أصل رام الله إلا بعد ثلاث أو أربع ساعات، وأحيانا تأخذ النهار كله، وأحيانا لا يمكن الوصول أبدا، ونضطر للعودة إلى طولكرم بعد طول معاناة وانتظار”.

ويتحدث خليل عن تعنت جنود الاحتلال وسعادتهم بتعقيد حياة الفلسطينيين، بحجة “تنفيذ الأوامر”، فيحرمون الولد أو البنت من المرور عبر الحاجز مع والديهما بحجة أن عمرهما أقل من المسموح به، أو أن يُسمح للزوجة بالمرور والزوج ممنوع لأن هويته من طولكرم أو جنين، دون أن يعيروا اهتماما للحالات الإنسانية. فقد يرون المريض وحالته تغني عن الكلام، ولكن لا يسمع المرء إلا عبارات ممجوجة مثل “ممنوع”، “روخ روخ”، “ارجع”، “سيجر”.

وختم خليل بالقول إن هذه الحواجز هي “أبشع صور الاحتلال وأكثر ما يعانيه شعبنا، وبالمقابل لا تجد اهتماما من المسئولين ولا من المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان لتخفيف معاناة المواطنين ووقف إذلالهم، والمس بكرامتهم وتعقيد حياتهم”.