فلسطينيون يواجهون أزمة الرواتب بكسر حاجز العيب

بسرعة ودون تردد أخذت أم محمد تعمل على استثمار موهبتها في فن التطريز لإيجاد مصدر دخل لأسرتها، بعدما انقطع مصدر الدخل الوحيد والمتمثل بالراتب الذي تتقاضاه من وظيفتها في التربية والتعليم.
فبعد انقطاع الراتب لأشهر متتالية، تفاقمت أزمة هذه المرأة المعيلة لأسرتها المكونة من ثمانية أفراد، غالبيتهم في المراحل الدراسية العليا والجامعية.
وتشير أم محمد، وهي من مدينة طوباس في الضفة الغربية، إلى أنها وبينما كانت جالسة في بيتها تفكر في الحال الذي وصلت إليه العائلة بعد انقطاع الرواتب، وقعت عيناها على أحد المطرزات التي كانت قد حاكتها في السابق، وأخذت تفكر ماذا لو استثمرت مهاراتها الخاصة في هذا الفن وأخذت تطرز للآخرين مقابل أجر؟.
وقبل أن تمعن في تفكيرها وتساؤلها هذا، كانت قد هرعت إلى أدوات التطريز وأخذت بحياكة القطعة الأولى بغرض البيع، والتي كانت عبارة عن لوحة العرس الفلسطيني كما تقول.
وتضيف “لم أتردد كثيرا، لا سيما وأنه كان هناك عروض من قبل الأصدقاء والجيران لحياكة مطرزات مقابل أجر”، موضحة أنها كانت ترفض تلك العروض نظرا لارتفاع كلفة المادة الخام للتطريز من جهة، ومن جهة أخرى لأنه يستغرق وقتا وجهدا كبيرين لا يتناسبان بأي حال من الأحوال مع المبلغ الذي سأتقاضاه إزاء ذلك.
“أم محمد” ترى أن الوضع الآن قد اختلف، ولذا بدأت في عملها الجديد مطلع العطلة الصيفية؛ أي بعد ثلاثة أشهر من انقطاع الرواتب، رغم أن عملية التطريز تكلفها من الوقت والجهد الكثير.
خوف وقلق
بينما اتخذت “أم محمد” خطوات عملية للبحث عن مصدر دخل بديل لأسرتها، فإن الموظفة “س”، التي أشارت إلى أنها تملك من المهارات اليدوية وفنون الطبخ وصناعة الحلويات الكثير؛ وهو الأمر الذي من شأنه تأهيلها لاستثمار أي من تلك المهارات بشكل تجاري، غير أنها إلى الآن لا تجرؤ على ذلك.
وتضيف: “على الرغم من حاجتي الماسة لأي مبلغ فإنني أخشى الإقدام على أي خطوة من هذا القبيل”، ربما خوفا من نظرة المجتمع غير العادلة لمن يعملون في هذه المهنة.
وبدوره، يشير الأستاذ عماد، وهو في العقد الرابع من العمر، وهو من إحدى القرى المحيطة بمدينة طوباس، إلى أنه انخرط في العمل في البناء بأجر خمسين شيكلاً للإيفاء بمتطلبات عائلته، على الرغم من أن هذا العمل لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع عمره ووضعه أيضا.
إشادة بالمبادرين
من جانبها، أشادت مها زيد، الأخصائية الاجتماعية في قسم الصحة النفسية في الهلال الأحمر الفلسطيني، بهؤلاء الذين يحاولون التغلب على الظروف وإيجاد البديل للراتب أو لجزء منه، نافية في الوقت ذاته أن يكون في ذلك عيب أو مساس بالوضع الاجتماعي.
وتضيف: “لجوء الموظف إلى أي عمل آخر يرجع إلى محاولته لتحقيق ذاته كرب للأسرة ومسئول عن تلبية احتياجاتها، فنراه يقبل على ذلك وبأي أجر لتحقيق ذلك”، مشيرة إلى أن ذلك الشخص الذي بحث عن البديل آثر ألا يقف مكتوف اليدين إزاء حاجات أسرته غير المحدودة فقبل بالقليل أو أقل القليل.
ونوهت إلى أنه ونتيجة لتردي الأوضاع الاقتصادية لعموم المواطنين وليس للموظفين فقط، فقد تكون البدائل غير متاحة بسهولة، كما أن الأجر لن يكون كافيا ليكون بديلاً عن ذلك الدخل المنقطع؛ وهو الأمر الذي يفاقم معاناة فئة الموظفين.
وأشارت مها زيد، إلى أن هناك قيودا مجتمعية كثيرة تقف أمام الكثير من الموظفين، وتمنعهم من البحث عن البديل الذي لا يتوفر بسهولة أيضا، فالمجتمع عادة ما يضع الموظف في قالب مجتمعي ووظيفي معين؛ وهو ما يجعل الموظف يواجه صعوبة كبيرة في أن يتحول من موظف إلى عامل، مؤكدة على أن هذا خلل مجتمعي غالبا.
وأضافت أنه عدا ذلك فطبيعة الوضع الراهن تجعل جميع القطاعات الاقتصادية متضررة بانقطاع الرواتب؛ وهو ما يجعل إيجاد البديل غير مجدٍ في بعض الأحيان، فيعزف الموظف عن الانخراط في هذا العمل أو ذاك لتدني الأجر المترتب على القيام به.
انقطاع الدخل
ويشير إبراهيم دراغمة، مسئول اتحاد المعلمين في محافظة طوباس، إلى إن عددا لا بأس به من المعلمين انخرطوا في أعمال وأشغال بديلة للوظيفة، بعد انقطاع رواتبهم لأشهر متتالية، وخاصة أن الراتب كان يشكل مصدر الدخل الوحيد لهؤلاء وعائلاتهم.
وتتنوع الأعمال التي باتت تستوعب معلمين وموظفين بين قطاعات البناء والزراعة والتجارة، فيما لجأ آخرون إلى قطاعات أخرى.
وأضاف دراغمة “أن حاجة الموظف للقمة العيش تفوق أية حاجة أخرى، فنراه يتنازل عن أمور كثيرة مثل ماء الوجه والوضع الاجتماعي، وهي الأمور التي أخذت تتلاشى أمام ذلك”.
ولم يتقاضَ 160 ألف موظف يعملون بالسلطة الفلسطينية أجورهم منذ مارس الماضي؛ بسبب الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الفلسطينيين ووقف المساعدات المقدمة للسلطة.
فيما علقت إسرائيل من جانبها نقل المبالغ التي تحصلها من الرسوم التي تفرضها على البضائع التي تدخل إلى الأراضي الفلسطينية لصالح السلطة الفلسطينية والتي تصل بحسب البنك الدولي إلى 65 مليون دولار شهريًّا، أي قرابة ثلثي عائداتها.