انقطاع الرواتب ألزم المواطنين بيوتهم طيلة أيام العيد، التي حملت في ثناياها الحزن والآهات والجروح وذكريات في مدينة نابلس في الضفة الغربية ، وبدت طقوس العيد في مدينة نابلس ومخيمها ممزوجة بالحزن والمعاناة ومثقلة بالهموم، حيث اقتصر العيد على تأدية الشعائر الدينية، وزيارة الأقارب من الدرجة الأولى.
وامتنع البعض عن ممارسة طقوس العيد، والتزموا بيوتهم طيلة أيامه، بسبب ضيق اليد
وانقطاع الرواتب، حيث كان التلفاز رفيق درب أرباب الأسر، أما المحظوظون الذين
استطاعوا توفير بعض النقود، فقد قاموا بممارسة هذه الطقوس كالمعتاد في زيارة
الأقارب والأهل ولكن مع معاناة الحواجز.
وقال المواطن أبو جهاد من مدينة نابلس، إنني اضطررت للسفر إلى مدينة الخليل من
أجل معايدة شقيقتي، ومكثت هناك ثلاثة أيام، ثم عدت إلى نابلس مثقلاً بأعباء
الحواجز.
أما الأطفال، فقد كانت لعبتهم الوحيدة هي لعبة “السلاح”، التي تعتبر انعكاساً
طبيعياً لمناظر الموت اليومية، التي عايشوها طيلة سنوات الانتفاضة الماضية.
وكما هو متوقع، فلم تجلب هذه اللعبة الفرح لقلوب الأطفال، بل جلبت الدموع
والألم، وخاصة بعد إصابة عشرات الأطفال بجروح في العيون جراء “الخرز الصيني” الذي
كان يتقاذفونه في لعبتهم “عرب ويهود”، والتي أصبحت أكثر الألعاب شهرة في فلسطين.
كما تحولت فرحة الأطفال بامتطاء صهوات الخيول والجمال، إلى أحزان بعد أن داست
أقدام الخيول المجنونة أقدام ورؤوس بعض الأطفال، الذين نقلوا إلى المستشفيات جراء
فقدان عامل الخبرة لدى بعض الهواة الذين يفتقدون الحد الأدنى في ممارسة رياضة ركوب
الخيل.
وجلبت ظاهرة ركوب الدراجات النارية في منطقة المتنزهات في نابلس، التعاسة والألم
لعدد من الأطفال بسبب استهتار البعض وعدم حيازتهم لرخص رسمية لقيادة الدراجات
النارية.
ولم تقتصر مراسم العيد وفعالياته على الطقوس الدينية، بل امتدت لتشمل المقاهي
التي كانت تعج بمئات الزوار من أجل قتل الوقت والقضاء على الفراغ.
وكان الليل في نابلس أشد ظلاماً من أية مدينة أخرى، بسبب ممارسات الاحتلال
الإسرائيلي واجتياحاته التي لم تتوقف للحظة، حيث سرق الاحتلال الفرحة من عيون أمهات
الأسرى، وتحولت المقابر إلى ساحات يلتقي فيها أهالي الشهداء يعبر فيها كل شخص عن
ألمه بدموع يسكبها فوق قبر هذا الشهيد أو ذاك.
وتقول والدة الشهيد محمود الخطيب، جئنا إلى هنا “المقبرة” حتى نقول لأبنائنا
إننا لن ننساكم وأنتم في قلوبنا دائماً.
أما صور معاناة أهالى قرى نابلس، فقد كانت أكثر إيلاماً وقسوة، فبعض الموظفين
استغل فرحة العيد، من أجل الهروب إلى الجبال تحت يافطة “قطف الزيتون” وهم في
الحقيقة هربوا من التزامات العيد وعاداته، وليجمعوا ما يستطيعون من ثمار الزيتون،
حتى يحصلوا على بعض النقود من أجل تحقيق حلم أطفالهم بملابس جديدة أو سد بعض
التزاماتهم المادية أو توفير احتياجاتهم.
وعن ذلك، قال عثمان القطو، إنني اضطررت بعد تأدية شعائر صلاة العيد في قريتي
مادما جنوب نابلس إلى “الزحف” نحو أرضي بما تحمله هذه الكلمة من معنى، مع بعض
المزارعين من أجل قطف ثمار الزيتون.
وأضاف لقد حاول الجنود منعنا من الوصول إلى أرضنا غرب القرية بحجة أنها منطقة
عسكرية مغلقة، مما دفعنا إلى قطع مئات الأمتار سيراً على الأقدام من أجل الوصول إلى
أرضنا التي أصبحت تقع بين مطرقة الاستعمار وشبح المنع الأمني، مشيراً إلى أنهم
استطاعوا ممارسة طقوس القطف على الأمل بغد مشرق، واقتصاد ريفي مهم يسد رمق الجياع
في زمن الحصار.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72687
