“لا تعطني السمكة ولكن علمني كيف أصطاد..” هذا المثل الصيني الشهير ينطبق تمام الانطباق علي نظرية إنشاء بنك للفقراء يساعدهم في الخروج من الحلقة المفرغة للفقر ليصبحوا عنصر فاعل لمجتمعهم، وعلي عكس الملك الروماني الذي أباد فقراء بلاده كلهم في يوم واحد كثمن للتقدم والازدهار الذي أراده لرومانيا.. رأي القائمين علي جائزة نوبل ضرورة منح نوبل للسلام مناصفة بين بنك جرامين للفقراء في بنجلاديش وبين صاحبه محمد يونس مفسرين ذلك بأنه لا يمكن التوصل إلى سلام يمكن أن يدوم إلا إذا منح عدد كبير من الناس الفرصة للخروج من حالة الفقر.
تقوم فكرة إنشاء بنك للفقراء على فرضية بسيطة وهي أن معظم الفقراء يفتقرون إلى
الإمكانيات المالية التي تساعدهم على البدء بمشاريع صغيرة تخرجهم من دائرة الفاقة.
ولأن البنوك التجارية عادة ما تطالب المتعاملين معها بضمانات لا يقدر عليها الفقير،
وتفرض عليه فوائد ترهق كاهله وتكبله بقيود لا طاقة له بها، من هنا جاءت أهمية بنك
الفقراء ومن المفترض أن القروض التي يقدمها مثل هذا البنك هي في العادة صغيرة جدا،
تتراوح بين المائة والمائتين دولار، وفي حالات نادرة قد تصل إلى ألف دولار.
و تقدم القروض في العادة دون فوائد، لكن على المقترض إعادة الدين في فترة زمنية
قصيرة نسبيا .. أي خلال عام أو نحو ذلك. وتتوجه هذه القروض إلى دعم مشاريع صغيرة في
مجالات الزراعة والتوزيع والتجارة والمهن الحرفية والتصنيع. وغالبا، فإن شريحة
النساء هي أكثر الفئات استفادة من مثل هذه القروض. فقد أثبتت التجارب أن المرأة،
وهي الساعية إلى سد رمق أطفالها، يمكن الاعتماد عليها في استثمار القرض بكفاءة
عالية وتسديده لاحقا.
المصرفي العالمي
محمد يونس المشهور بلقب “المصرفي العالمي من أجل الفقراء” وهو بنغلاديشي الأصل
قد أسس البنك الذي يعتبر أحد أول المصارف التي بدأت العمل بنظام القروض الصغيرة في
بنغلاديش لمساعدة الفقراء. ومن خلال نظامه البنكي المعروف باسم جرامين تم تقديم
القروض لأكثر من 7 ملايين من فقراء العالم، وأغلبهم في بنجلاديش التي تعد واحدة من
أفقر دول العالم، ومعظم المستفيدين من النساء.
بدأت الفكرة مع يونس عام 1976 عندما كان أستاذا للاقتصاد بجامعة شيتاجونج جنوبي
بنجلاديش، وقوام الفكرة هو تقديم قروض صغيرة للفقراء الذين لا يشملهم الغطاء البنكي
التقليدي. فقد لفت نظر يونس أن بعض النساء في القرى القريبة من الجامعة التي يعمل
بها يحتجن مبالغ بسيطة ليبدأن مشروعات صغيرة مثل تربية الدواجن أو إنتاج الألبان أو
البيض، ولكنهن عاجزات عن الحصول على هذا التمويل.
فعندما يذهب الفقراء للبنوك التقليدية للحصول على تمويل يجدون أن هناك طريقين،
وهو إما أن يقدموا ضمانات للقروض، وهي غير متوافرة عادة، وإما أن يطلبوا قروضا
شخصية، وعادة ما تقدم البنوك مثل هذه القروض لرجال الأعمال الذين حققوا نجاحا في
السوق، وليس للفقراء الذين يريدون أن يبدأوا من الصفر، وتكون النتيجة هي استمرار
الحلقة المفرغة للفقر. غير أن يونس رأى انه من الممكن كسر هذه الحلقة ببساطة عن
طريق تقديم قروض صغيرة بدون ضمانات للمزارعين إذا كانت لديهم مشاريع قابلة للتنفيذ.
وبدأ يونس بتقديم قروض لا تتجاوز قيمتها 27 دولارا لمجموعة من السيدات.
ولان هناك احتياجا شديدا لتمويل المشروعات الصغيرة في بنجلاديش فقد وجد أسلوب
يونس كثيرا من المتحمسين له، وتحولت فكرته إلى بنك “جرامين”، وهي كلمة تعني قروي
باللغة البنغالية، وأصبح أول بنك في العالم يقدم القروض للفقراء الذين لا ترغب
البنوك التقليدية في إقراضهم. ويسمح نظامه البنكي للفقراء بالحصول على القروض دون
أي ضمان عقاري أو ملكية يتم الحجز عليها في حالة العجز عن السداد وحتى المتسولين
بوسعهم الاقتراض وفقا لهذا النظام.
وعبر سنوات عمله، قدم البنك قروضا لأكثر من 7 مليون فرد، 97% منهم من النساء، في
نحو 700 ألف قرية. ويشترط البنك أن يتم سداد القرض بالكامل قبل منح أي قرض جديد،
وبلغت نسبة سداد القروض فيه 99%، وهو مؤشر على نجاح القروض التي يقدمها البنك.
وتتويجا لهذا النجاح فقد منح بنك الفقراء 7 جوائز محلية وعالمية، ومنح صاحبها محمد
يونس 60 جائزة محلية وعالمية، إضافة إلى 27 دكتوراه فخرية، و15 تكريما خاصا من
بلدان العالم المختلفة قبل أن يتوج ذلك بجائزة نوبل.
يقول محمد يونس “إن القروض الصغيرة لن تختفي لأن الناس يحتاجون إليها، فمهما كان
الاسم الذي سيطلق عليها فلابد من وجودها لأنه من الظلم حرمان نصف سكان العالم من
الخدمات المالية”.
ولم تقتصر مساعداته على العالم النامي فقط، ففي عام 2000 قالت هيلاري كلينتون
زوجة الرئيس السابق بل كلينتون إن يونس ساعدهم في برامج تقديم القروض الصغيرة
للفقراء في أركانساس.
“نوبل” للقضاء علي الفقر
وفي التصريحات الأولى له بعد الإعلان عن فوزه بالجائزة قال يونس: “كمواطن
بنغلادشي، افخر في أن نكون قد أعطينا شيئا للعالم وان العالم كله يعترف بعملنا”.
كما قال إن الجائزة اعتراف بحركتنا من أجل ضمان حقوق الفقراء وبهذا الاعتراف، نتوقع
أن ينتشر نموذجنا في كل أنحاء العالم”. وأضاف قائلا “إنه سيستخدم الأموال من
الجائزة للبحث عن سبل أكثر إبداعا لمساعدة الفقراء على التخلص من الفقر”.
وقد قرر يونس فعلا أن يخصص قيمة ما حصل عليه من جائزة نوبل، التي وزعت مناصفة
بينه وبين بنك جرامين، لإنشاء شركة تقوم بتصنيع أغذية للفقراء تتميز بارتفاع قيمتها
الغذائية وانخفاض أسعارها، ليبدأ رحلة “غذاء الفقراء” كما بدأ من قبل بنك الفقراء.
وتحول “بنك جرامين” أو بنك الفقراء كما اشتهر، إلى نموذج تم تقليده في بلاد
كثيرة بأسماء مختلفة، لكن المفهوم واحد وهو تقديم قروض صغيرة للفقراء لتمويل
مشروعات صغيرة تهدف لإخراجهم من الحلقة المفرغة للفقر.
العالم النامي وبنك الفقراء
وعن إمكانية انتشار تلك الفكرة في دول العالم النامي والدول العربية، وكذلك
إمكانية القضاء على الفقر بمثل هذه الطرق.. يقول د. أحمد الغندور أستاذ الاقتصاد
بجامعة عين شمس في مصر أن الفكرة لا تقضي على الفقر ولكنها تساهم في تخفيف حدته
وبذلك تتحقق مساهمة المجتمع المدني في حل المشكلات بعيدا عن الحكومة وتعقيداتها.
أما انتشار الفكرة في ذاتها سواء في بنجلاديش أو خارجها فهو أمر محبب للجميع كما
أن الفكرة ممكنة التحقق في دول العالم النامي إذا توافر لها “محمد يونس آخر”، فهذه
الفكرة تقوم علي الانتماء الشخصي للمجتمع وللبلد وللشعب دون انتظار مكافأة من
الحكومة أو بيروقراطيوها.. أما محمد يونس فانه لا يهبط من السماء ولكنه يولد في
التفاعل الحر للمجتمع الديمقراطي.
وعما إذا كان منح جائزة نوبل للسلام 2006 لتلك التجربة يعد دعما مستقبليا للحركة
العالمية التي تسعى لتوفير القروض للفقراء يؤكد د.الغندور أنه سيكون للجائزة أثر
كبير في إقدام البعض في المجتمعات المختلفة علي مثل هذا العمل وان كان من الطبيعي
ألا يحصل كل فرد علي جائزة نوبل فالجائزة تمنح للعقول التي لها السبق في مجال معين
بما يخدم الإنسانية، ولكن يكفي لهؤلاء الذين يقدمون علي إنشاء بنوك مماثلة لبنك
محمد يونس زيادة مكانتهم الاجتماعية والسياسية في بلادهم.
التكرار الناجح
ويوضح د.مجدي سعيد في دراسة له بعنوان “تجربة مصرف الفقراء في بنجلاديش” شروط
التكرار الناجح للتجربة قائلا أنها تتمثل في عدد من العناصر الأساسية وهي التركيز
الشديد على الفقراء وحدهم، وأن تكون الأولوية للنساء الريفيات الفقيرات، وأن تصبح
شروط وإجراءات القروض ملائمة بحيث تسمح للفقراء بممارسة أعمال مدرة للدخل، وأن تكون
الأنشطة الفردية المختارة من قبل الشخص تدر دخلاً عليه،
وكذلك مسئولية تضامنية للمقترضين ودعم متبادل من خلال الادخار الإجباري، وأن
تكون القروض صغيرة والسداد بشكل أسبوعي، وإمكانية تلقي قروض جديدة في حالة سداد
الأولى، وان يكون نظام القروض صارم وإشراف لصيق، الشفقة بلا صدقات، تشجيع الادخار
الفردي، برنامج للتنمية الاجتماعية، تدريب طاقم العاملين على الإدارة العملية
الصارمة، حماية لصندوق القروض من التضخم، إدارة مؤسسية ناجحة تضمن استقرار السياسات
بعيدًا عن تقلبات الإدارة الفردية، مرونة تسمح بتغيير بعض الأساليب والإجراءات بما
يتلاءم مع الظروف المحلية لبلد التطبيق في إطار من الالتزام بنمط جرامين.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72688
