يواجه مئات الأطفال من تلاميذ المدارس في مدينة الخليل، وقرى مجاورة جنوب الضفة الغربية، منذ سنوات طويلة، انتهاكاً صارخاً لحقوقهم بفعل الممارسات القمعية التعسفية التي يمارسها جنود الاحتلال الإسرائيلي، وحرب الشوارع شبه اليومية التي يديرها المستعمرون وأنصارهم من حركات إسرائيلية عنصرية.
ويجد نحو 13 ألف طالب وطالبة من طلبة الخليل التي تخضع لحرب إسرائيلية مزدوجة من قبل جنود الاحتلال والمستعمرين، سيما ممن تقع مدارسهم على خطوط التماس، أو أولئك المقيمين في البلدة القديمة .
يجدون أنفسهم ، في دائرة المواجهة، وقبضة الخوف، والنيران الإسرائيلية.
ويظل الحق في التعليم بالنسبة لتلاميذ وأطفال الخليل، أو حتى الحق في الحياة، التي نصت عليه اتفاقية حقوق الطفل، بالنسبة لهم، مجرد حبر على ورق، حيث تعصف الانتهاكات الإسرائيلية واعتداءات المستعمرين، بكل الحقوق حتى الأكثر بساطة منها.
وفي مدارس قرطبة، واليعقوبية، واليقظة، والفيحاء، والإبراهيمية الواقعة جميعها على مقربة أمتار قليلة فقط من البؤر الاستعمارية الأربع في المدينة القديمة، ومدارس أخرى في محيطها.
تتضاعف المرارة لدى التلاميذ المتوجسين على الدوام من هجمات المستعمرين الذين يطلقون الكلاب المتوحشة والمدربة، أو يهاجمونهم بالحجارة والزجاجات ، وأكثر من ذلك، بالمواد الكيماوية الحارقة والأجسام المتفجرة، ليغرقوهم بذلك في الرعب، والهلع، وليحولوا حياتهم إلى جحيم.
وتقول الطالبة فداء أبو عيشة (14عاماً) الطالبة في مدرسة قرطبة الواقعة على مسافة أمتار من مستعمرة “بيت هداسا – الدبويا “: إنها ذاقت على جلدها أنواعاً مختلفة من العذاب والاعتداءات، وأن حياتها وحياة قريناتها، ببساطة، غير آمنة، ذلك أن النهار بطوله في مواجهة مستمرة مع الجيش والمستعمرين. وفي الليل يدهم منامهن كوابيس وقلق.
وتضيف، أنها تعرضت عشرات المرات وأشقاؤها، أشرف (13عاماً)، وشريف (9 سنوات)، ورجاء (17عاماً)، ومحمد (11عاماً)، للاعتداءات المشتركة من قبل الجيش والمستعمرين، مشيرة إلى أنه يصعب حصر عدد المرات التي نقلت فيها وأشقاؤها إلى المشفى والمراكز الصحية الأخرى، بسبب الإصابات أو الجروح التي لا تزال تترك ندوباً على أجسادهم.
وتؤكد الأم أبو عيشة، أن تواصل الاعتداءات ضد أبنائها، إنما يهدف إلى إجبارهم على مغادرة المنطقة، وتقول: “لن نرحل عن منزلنا حتى لو كلفنا ذلك حياتنا” مشيرة إلى أن هذه الاعتداءات التي يزاولها الجيش والمستوطنون العنصريون تتجاوز أبناءها، لتطال أيضاً، أبناء شقيق زوجها: إيمان، وإبراهيم، ووليد محمد حامد أبو عيشة.
وبالنسبة للطالبة فداء أبو عيشة فتبدو الحياة “منتهكة في كل التفاصيل . . !!” كما هو الحال برؤية الطالبة رانية الحلبي، التي فقدت إحدى عينيها قبل نحو عامين، جراء اعتداء دموي من قبل مستعمري “بيت هداسا”، والتي تخاف من الطريق الموحشة المليئة بالجنود والمستعمرين ما بين المنزل في شارع “الشلالة” والمدرسة “اليعقوبية” القريبة.
ففي “جبل الرحمة – تل الرميدة”، ثمة قصص مجابهة مع المستعمرين، يمكن لها أن تندلع في كل لحظة، يقول المواطن هاشم العزة، ويضيف:”أن كل الحقوق لكل الأطفال والتلاميذ – هنا- مستباحة.
وأشار إلى أنه قبل أقل من شهر تحديداً -تلي ذلك اعتداءات أخرى كثيرة – هاجم المستعمرون عائلته وعائلة شقيقة (هشام) وأصابوا نجلهُ الطفل (يونس 3 سنوات) الذي أصيب بجراح في رأسه إلى جانب إصابة زوجته نسرين (33 عاماً) وزوجة شقيقه هشام وتدعى (فاطمة 38 عاماً) وابنتيها (سُندس وجنات 12 و14 عاماً) اللتين أصيبتا برضوض وكدمات في أنحاء الجسم إثر تعرضهما لاعتداء مماثل من قبل المُستوطنين.
صورة متكررة
وتحت وطأة المواجهة غير المتكافئة مع الجيش والمستعمرين، يجابه نحو 25 تلميذاً من سكان قرية طوبا الواقعة إلى الشرق من بلدة يطا جنوب المحافظة، بصورة شبه يومية اعتداءات مستعمري مستعمرة “ماعون”، الذين يمنعونهم من الوصول إلى مدرستهم في قرية “التواني” المجاورة، بدعوى مرور التلاميذ من طريق مجاورة للمستعمرة المذكورة.
ولم تسعف الحماية التي يشكلها نشطاء سلام أجانب من فريق صنع السلام المسيحي، الذين دأبوا منذ سنوات على مرافقة التلاميذ إلى مدرستهم في قرية “التواني” من وقف اعتداءات المستعمرين، حيث تنتهي عملية المجابهة في كل مرة بإصابة وترويع عدد من التلاميذ، وذلك على مرأى من قوات الاحتلال الذين يعملون في كل مرة على توفير الحماية للمستعمرين.
وعن آخر الاعتداءات، يقول نصر النواجعة، أحد سكان “التواني”: كان في ذات اليوم الذي أصيب فيه خمسة أطفال من تلاميذ المدارس ورياض الأطفال من عائلة “العزة” في “تل الرميدة”، حيث انتهى الاعتداء بكسر قدم أحد تلاميذ قرية “طوبا”.
ويقول رياض عرار، المسؤول في الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في الخليل: “إن انتهاك حق الوصول للمدرسة وانتهاك الحق في التعليم يعتبر واحداً من البنود الثابتة في جدول الأعمال اليومي لجيش الاحتلال والمستعمرين، وهو ما يتسبب في انتقال الكثير من الطالبات والطلاب من المدارس القريبة من المستعمرات إلى مدارس أخرى تعتبر الطرق إليها أقل خطراً”.
ويشير “عرار” في هذا السياق، إلى أنه لا يمكن لأحد حصر عدد الإصابات والاعتداءات في صفوف طلبة المدارس الواقعة في البلدة القديمة والقريبة من المستعمرات الإسرائيلية، غير أن مصادر طبية من المشافي والمراكز الصحية بالمدينة، أشارت إلى وقوع ما يزيد عن أربعين إصابة خلال الـ 60 يوماً الأخيرة.
وأضافت أنه جرى تقديم الإسعافات الميدانية لمصابين آخرين في صفوف الطلبة، ممن أصيبوا بكدمات ورضوض طفيفة جراء رشقهم بالحجارة من قبل المستعمرين أو جراء استنشاقهم للغازات المسيلة للدموع التي يطلقها جيش الاحتلال.
ونوهت إلى ما حدث الشهر الماضي في مدرسة “جبل جوهر” وقبل أسبوعين في مدرسة السموع الثانوية للذكور، حيث أغرق جنود الاحتلال الغرف الصفية ومحيط المدرسة بالغاز والرصاص المطاط، ما أسفر عن إصابة أكثر من 30 طالباً من كلا المدرستين.
وفي مدارس الخليل القريبة من المستعمرات، يواصل جيش الاحتلال منع الطالبات والطلبة من إنشاد السلام الوطني ومن رفع العلم الفلسطيني، وحتى منع استخدام الإذاعة المدرسية.
وتطال مثل هذا النوع من الانتهاكات مدارس كثيرة في البلدة القديمة من مدينة الخليل، منها مدارس: الإبراهيمية، والفيحاء، والمتنبي، وعبد الخالق يغمور، وسلهب، واليعقوبية، وقرطبة، واليقظة، وغيرها من المدارس.
ويمكن القول، في هذه الأوضاع الراهنة من الحياة الفلسطينية في الخليل: “إن جميع التلاميذ والأطفال والفتيان الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً، ويقيمون على خط المواجهة المستمرة في المدينة، يعيشون في “قبضة الخوف” من الحرب الإسرائيلية المزدوجة، التي يزاولها جنود ومستعمرون متعطشون للدم ومسلحون بأنياب عنصرية، غير أن هذه “الحرب” لا تتم دون مقاومة صعبة ومضنية، يساهم فيها مواطنون يصرون وعائلاتهم على البقاء في الخط الأمامي للمواجهة.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72732
