الأمراض النفسية تطارد أطفال فلسطين بسبب الاحتلال

تركت الأحداث المروعة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية بين الحين والآخر، جراء
العدوان الإسرائيلي ، آثاراً نفسية على الأطفال الفلسطينيين الذين أصبحوا ضحية لهذه
الحالة ، حيث يعاني الكثير من الأطفال من آثار نفسية وصراعات ليلية وكوابيس جراء ما
يشاهدونه من أحداث دموية وجرائم قتل نالت من طفولتهم البريئة، الأمر الذي أدى إلى
تنمية ثقافة العنف في داخلهم، وهذا بات يظهر جلياً في ألعابهم التي يقلدون خلالها
الأدوار وما يشاهدونه من عمليات إطلاق نار في الشوارع، وصور مروعة لأطفال في سنهم
راحوا جراء إصابتهم بنيران الاحتلال وصواريخه الفتاكة.
توترات عصبية
حسام في الثانية عشرة من عمره اعتاد أن يذهب إلى مدرسته في الصباح من كل يوم،
حيث يتلقى دروسه، ويلعب ويلهو مع أصحابه في وقت الاستراحة التي لا تخلو من الحديث
عّما يشاهدونه من أحداث. يقول حسام أنه أصبح غير آمن على حياته، فهو يذهب إلى
مدرسته ولا يعرف أنه سيعود إلى منزله أم لا، خاصة وأنه يرى ويسمع في كل يوم عن
الأحداث الدموية التي يتعرض لها الأطفال، والجرائم التي ترتكب بحقهم، مشيراً إلى أن
صديقه أصيب بعيار ناري أثناء ذهابه إلى المدرسة، وأوضح حسام أن المشاهد التي يراها
ويسمع بها لا تفارقه حتى في منامه، الأمر الذي أصابه بحالات فزع وخوف، لدرجة أنه
أصبح يخشى الخروج من منزله.
السيدة/ انتصار رجب ” 35 عاماً” أم لأربعة أطفال أصغرهم في الخامسة من عمره،
تقول أن الأوضاع الراهنة ألقت بظلالها على كافة مجالات الحياة، وساهمت في تردي كل
شيء، حيث انعكست سلباً على نفسية الأطفال الذين وقعوا ضحية لهذه الأحداث المروعة
التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، فهم لا يفهمون ولا يعون ما يدور فيها، الأمر الذي
أصابهم بحالات نفسية وتوترات عصبية. وتضيف أن أطفالها لا يكفون عن الحديث عما يرونه
في الشارع من أحداث مرعبة، ، حيث غرست هذه المشاهد العنف في داخلهم، وراح الأطفال
يقلدون هذه المشاهد، ويتقمصون الشخصيات، وأوضحت أن أطفالها يصنعون من الخشب ما يشبه
البنادق ويقومون بملاحقة بعضهم البعض داخل البيت. فهم يقلدون عمليات المطاردة التي
يشاهدونها ويسمعون عنها، ويخرجون أصواتاً وكأنها أصوات إطلاق الرصاص، الأمر الذي
ولد العنف في داخلهم، وأصبحوا في حالة عصبية دائمة. وتضيف انتصار أنها تفكر في عرض
أطفالها على طبيب أمراض نفسية وعصبية، لكنها ترى الكثير من الأطفال في الشارع
يمارسون الشيء الذي يمارسه أطفالها، مما يخفف عنها من وطأة الأمر، خاصة وأن الحالة
عامة وليست خاصة، لكنها أعربت عن خشيتها من تفاقم هذه الحالات إلى حد يمارس فيه
الأطفال العنف بشكل حقيقي وليس بشكل تقليدي.
انقسام أسري
وتقول عائشة أبو شقفة منسقة مشروع حماية الطفولة أن الأوضاع الأمنية الراهنة
التي نعيشها تنعكس بشكل سلبي وغير إيجابي على الأسرة الفلسطينية بشكل عام والطفل
على وجه الخصوص ومن أبرز المشاكل التي ترتبت على الوضع القائم والتي انعكست سلبياً
على الأطفال الفلسطينيين مشكلة العدوانية، وهي تتمثل في محاولات الطفل تقليد
الأوضاع التي يراها ويفرغها عن طريق عدوانيته مع الآخرين أو مع نفسه. ونوهت إلى أن
الدراسات أظهرت أن الطفل الذي يعاقب بالضرب إذا أساء التصرف ويوجه إليه العنف ويعيش
في مجتمع يعاني من كثير من الأوضاع السلبية يصبح أكثر عدوانية وقلقاً من أقرانه.

كما أشارت إلى ظاهرة مص الأصبع وقضم الأظافر لدى بعض الأطفال التي تكون نوعاً من
التعبير عن التوتر النفسي الذي يعيشه الطفل، هذا بالإضافة إلى التبول اللاإرادي
ومشكلة الحركة الزائدة التي يعاني منها الأطفال بسبب الوضع الراهن، وتدني التحصيل
الدراسي والشرود الذهني وعدم التركيز، والقلق، والاكتئاب، والشعور بالذنب، والخجل،
واختلال الصورة الذاتية، والعزلة، وضعف الثقة بالنفس، واضطراب النوم، وضعف التركيز،
والتحول نحو الإجرام.
ورأت الأخصائية حبيب أن هناك خصائص تميز تلك الشخصية التي تعاني من الضغوطات في
مجتمعنا تنحصر في صورة سلبية ومشوهة للذات، و من هذه الخصائص أشارت إلى سطحية
الانفعالات وضعف الروابط الانفعالية مع الآخر وفقر الحاجة للحب والرعاية، والإحساس
بفقدان الأمن، كذلك السلبية في حل المشكلات والانسحابية من المواقف دون إيجاد حلول
للمشكلة وتفضيل الحلول العدوانية، ووجود السيكوباتية بسماتها العدوانية، فضلاً عن
ثنائية الإدراك، وانفصام الشخصية بين الرغبة في الاعتماد، والرغبة في التدمير،
ومشاعر الاضطهاد والإحساس بالظلم.
مشاهد دموية
أما السيدة/ فريال حلس، مديرة مركز إسعاد الطفولة، فقد أكدت أن الأطفال يعانون
كثيراً جراء الظروف الصعبة التي يعيشونها وما تخلفه المشاهد الدموية المترتبة على
الصراع مع المحتل من آثار سلبية على حالتهم النفسية، مشيرةً إلى أن المركز عقد ست
ورشات عمل متكاملة لمناقشة هذه الظاهرة، وبهدف التخفيف عن أطفالنا، حيث شارك فيها
660 طالباً وطالبة من عدة مدارس بمدينة غزة، شملت تحليلاً نفسياً للآثار الناجمة عن
العدوان الإسرائيلي لدى الأطفال من قلق وذهول وهستيريا واكتئاب وهلع وتأخر صحي
ودراسي، مضيفة أن الورش تناولت أساليب العلاج الممكنة للتخفيف من شدة هذه الآثار
وفي مقدمتها استخدام الفن التشكيلي والأشغال اليدوية لتفريغ شحنات الخوف المتولدة
لدى الأطفال واللعب الحر والموجه ومشاهدة الأفلام الهادفة والقيام بالرحلات
والزيارات وأداء الشعائر الدينية بانتظام وممارسة الرياضات الخفيفة وتفريغ طاقات
الفزع من خلال الدراما والمسرح والسرد القصصي، وإشباع الحاجات النفسية من خلال
إطلاق العنان للمواهب الكامنة لدى الأطفال، وأشارت حلس إلى أن الورش خرجت بمجموعة
من التوصيات الهامة، في مقدمتها ضرورة إعداد وتنفيذ برنامج تعاوني دولي للعناية
بالصحة النفسية للأطفال، والسعي لإنشاء مؤسسة دولية تهتم بدراسة آثار النزاعات
الدولية والإقليمية على الأطفال، ووضع المعالجات الحقيقية والصحيحة للوقاية من هذه
الآثار المدمرة، والعمل على تنفيذ برامج محلية لنشر المعارف المبسطة حول الأساليب
العملية لوقاية الأطفال وحمايتهم من نتائج الصراعات، ودعم أشكال السلم والسلام عبر
مختلف الوسائل.