معركة يومية تحدث في أراضي الفلسطينيين بين المزارعين والمستوطنين ، المعركة
تطول أوتقصر لكنها في النهاية لا تحمل سوى الخسارة للمزارعين البسطاء ، فهناك أشجار
عنب مقتلعة من جذورها وملقاة جانباً وخراطيم المياه التي ترويها تبدو مقطعة مستنزفة
خالية من المياه التي ضاعت في التربة الحمراء، بعد أن حولتها إلى صلصال وأسلاك
شائكة وأعمدة جديدة، أجبرت على الانحناء أرضاً بعد أن جرى ثنيها وتدميرها بالمقصات
والآلات الحادة، ومجموعة من الحجارة التي يتوسطها حجر مربع أبيض، ترتفع متراً
واحداً عن الأرض كتب عليها بعض الجمل باللغة العبرية، يجلس إلى جانبها عدد من
المستوطنين الإسرائيليين وهناك يجلس عدد من المواطنين الفلسطينيين، يحاول استطلاع
ما جرى لمزروعاته، ذاك هو المشهد.
وفي الأثناء، وصلت عدة دوريات لجيش الاحتلال، في وقت يحاول كل طرف منهما تقديم
روايته حول ما يحدث، يخرج من بين المستوطنين واحد يدعى “يائير” يزيد عن الخمسين
عاماًَ بقليل يحمل سلاحاً من نوع (أم 16) يقول إن الفلسطينيين يحاولون إزالة النصب
التذكاري، الذي أقيم عقب إطلاق النار على ولده أثناء عودته إلى المستوطنة وقتله على
يد المقاومة الفلسطينية، بينما يوضح المزارع الفلسطيني ناهد عبد الله بشارية (37
عاماً) من قرية عابود شمال رام الله أنه فوجئ بحضور المستوطنين إلى أرضه تحت جنح
الظلام، وبقيامهم باقتلاع 500 شجرة عنب قام بغرسها مؤخراً بعد أن اقتلعوا في السابق
3000 شجرة زيتون مثمرة عقب مقتل أحد المستوطنين هناك.
إذًا هي لعبة يقوم بها المحتلين الإسرائيليين، وقد لا تبدو ممتعة بالنسبة
للمواطن بشارية، لكنه يجد نفسه وسطها عندما يحضر إلى أرضه ليجدها مدمرة، بعد أن
مارس المستوطن “يائير” ومن معه ممن يقطنون مستوطنة “حلميش” المقامة على أراضي قرى
وبلدات رام الله الشمالية لعبتهم المفضلة منذ ست سنوات في اقتلاع الأشجار، وتدمير
المعدات الزراعية.
سرعان ما يدخل جيش الاحتلال إلى الأرض لفض النزاع كما يقول أحد الجنود ولحماية
المستوطنين، كما يرى المواطنون الفلسطينيون، وسرعان ما يغادر الجنود والمستوطنون
كروم العنب، ويبقى بشارية وإخوته في أرضهم التي تتجاوز مساحتها الـ 25 دونماً
يتحدثون عن معاناتهم المتواصلة منذ مقتل ذلك المستوطن مطلع العام 2001 برصاص
المقاومة الفلسطينية.
يقول بشارية، فوجئنا أثناء توجهنا في الصباح إلى عملنا بأن أشجار العنب التي
غرسناها مؤخراً بمساعدة جامعة بير زيت وعدد من المؤسسات المانحة، قد اقتلعت من
جذورها وألقيت جانباً، وأنه جرى تقطيع خراطيم المياه وتخريب الأرض بعد أن قمنا
بفلاحتها وإصلاحها عقب سنوات من تركها بعد أن اقتلع الاحتلال زيتوننا بحجة أن
المقاومة الفلسطينية تستغله لإطلاق النار صوب المستوطنين المارين من هناك.
وتشير القرائن التي يحملها بشارية إلى أنه حصل على مبلغ من المال قدر بـ 6 آلاف
دولار، وهي ذاتها خسارته بعد اقتلاع الأشجار وتدمير الأجزاء التي قام باستصلاحها،
بينما يقدر المزارع خسارته ب 10 آلاف دولار، نظراً لقيام المستوطنين بتقطيع الأسلاك
الشائكة، وتدمير بوابات ومداخل الأرض.
هنا يؤكد بشارية أنه لا ذنب له في مقتل المستوطن، ولا يحق لوالده احتلال أرضه
والاستيلاء عليها بحجة أنها المكان الذي قتل فيه ولده، يضيف أن لعنة حلت به منذ
مقتل المستوطن، فلم يعد يستطيع فلاحة أرضه التي تشكل مصدر رزقه، بل بات من الصعوبة
بمكان التواجد في محيط مجموعة الحجارة التي جمعها المستوطنون وأسموها نصباً فيما
بعد، وباتت مزاراً لهم أثناء دخولهم وخروجهم من المستوطنة.
ويوضح بشارية، أن جيش الاحتلال رفض دعواته المتكررة من أجل منع المستوطنين من
دخول أرضه، التي يقول إن تدمير محتوياتها يأتي بموافقة جيش الاحتلال المرابط في
معسكر أقامه عند مدخل الأرض، إذ لا يعقل أن يقوم المستوطنون باقتلاع الأشجار
والتواجد داخل الأرض لساعات دون أن يشاهدهم جيش الاحتلال.
ويقول إنه قام بوضع سياج شائك حول أرضه، وبقي النصب التذكاري خارج هذا الجدار،
لكن يائير أصر على الحصول على دونمات عديدة من الأرض لإنشاء مزار متكامل وليس مجرد
نصب تذكاري، وبذلك هو يريد إجبار بشارية على إخلاء أرضه من أجل الاستيلاء عليها
بالكامل، إذ قام بتدمير ما يزرع داخلها بشكل كامل.
ويروي المواطن بشارية فصول المعاناة التي يعيشها بسبب منعه من فلاحة أرضه التي
كانت تدر له خيراً وفيراً حتى وقت قريب، ويبقى في انتظار أن تقدم له مساعدة جديدة
من الجهات المختصة أو مؤسسات العمل الحكومي ليتمكن من إعادة زراعتها.
بضعة عشرات من خلايا النحل التي جلبها المزارع بشارية تبدو صامدة في أعلى الأرض
لم يطلها التخريب الذي لحق بالأرض، يخشى بشارية أن يكون مصيرها الإعدام كما أعدمت
أشجار العنب والزيتون، لكنه رغم ذلك يصر على إبقائها في الأرض وحراستها بمساعدة
إخوته بشكل دائم.
وحال المواطن بشارية هو ذاته حال عشرات المزارعين الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة
وضحاها محرومين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، التي قامت قوات تابعة لجيش
الاحتلال بتقليم زيتونها، تحت حجج وذرائع أمنية تتمثل في منع المواطنين الفلسطينيين
من الاختباء خلفها.
بين أشجار العنب المقتلعة يجلس بشارية محدقاً في مستوطنة “حلميش” التي تعلو
حقله، يؤكد أنه سيعيد زراعة أرضه مجدداً مهما كلفه الثمن، ويؤكد أنه لن يسمح
للمستوطنين بتحقيق أحلامهم في الاستيلاء عليها مهما طال الزمن أو قصر، وبين إصرار
بشارية ومحاولات يائير، تتواصل قصة أخرى من المعاناة التي يسببها الاحتلال.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72750
