رحلة شقاء ..والسبب إجراءات الاحتلال

تعيش أسرة العجوز المقعد، حسن حمدوني (80)عاما، في منطقة امريحه غرب بلدة يعبد شمال الضفة الغربية، حياة بؤس وتشرد متواصل نتيجة الإجراءات العسكرية الإسرائيلية المتلاحقة بحقهم.
وبدأت معاناة الحاج حسن الملقب بـ “أبو علي حمدوني”، عندما هُجر مع أقاربة من
مسقط رأسه قرية السنديانه قرب حيفا في أراضي عام 1948 وكان شاباً في الثامنة عشرة،
على أيدي العصابات الصهيونية، ليحط به المقام في منطقة تسمى “اللٍجه” تقع بين بلدة
يعبد وقرية عانين.
سكن الحاج أبو علي في منطقة “اللٍجه”، عشرين عاماً في خيمة كانت تأويه وأسرته،
غير أن سلطات الإحتلال اقتلعت الخيمة وطردته من تلك المنطقة تحت تهديد السلاح، لتحط
به الرحال في منطقة أخرى إلى الشرق من بلدة يعبد.
ولم تكتف سلطات الاحتلال بتهجيره مرة، وطرده تحت تهديد السلاح مرةً أخرى، بل
لاحقته وأسرته وأطفاله، إلى منطقته التي لم يمكث بها طويلا وأجبرته على الرحيل منها
عنوةً ليستقر به الحال في منطقة امريحه عند أقارب له. وفي منطقة امريحه التي يسكن
بها الحاج أبو على وأسرته المكونه من خمسة من الأبناء والبنات مع زوجته حشمه
حمدوني، يعيشون في بيت لا يحمل من معنى البيت، سوى الإسم ويفتقر لكل معالم الحياة
الإنسانية، فخيمتهم المكونة من الخيش والخشب تعتبر مطبخاً وحماماً، وتبرز من
أرضيتها حجارة كبيرة، ويتطلب السير بداخلها حذراً، نتيجة تلك الحجارة ذات النتوءات
الحادة.
وفي الخيمة التي تثير الحزن والشفقة، كانت المرأة الستينية “أم علي” تجلس شاردة
الذهن بسبب مآسي الأسرة المتلاحقة.
وقالت، إنهم ينامون على حصيرة متواضعة موضوعة على كومة من الحجارة والتراب،
ويتعرضون داخلها لبرد الشتاء القارس، أما في فصل الصيف فهم مهددون بالأفاعي
والعقارب التي لا تبرح الخيمة التي سكنوها منذ سبع سنوات.
الحاجة أم علي لم تنم طوال حياتها التي تعيشها وكذلك أبناؤها في بيت ، وأمضت
حياتها داخل الخيام المغطاة بالخيش ومع ذلك لم تسلم من بطش المحتلين الذين لا
يزالون يلاحقونهم أينما ذهبوا.
وقبل حوالي خمسة أيام جاءت إلى خيمتهم المتهالكة، قوة إسرائيلية مع ضابط
إسرائيلي يدعى (إيغل) يعرفه سكان المنطقة جيدا وأكدوا أنه مسؤول ما يسمى بـ “دائرة
البناء والتنظيم” وأمرهم بإخلاء خيمتهم وحظيرة الأغنام الخاصة بهم تمهيداً لهدمها
بأي لحظة دون إبداء أسباب.
ويشكل ايغل، رعباً حقيقياً لسكان المنطقة، ويعني مجيئه إلى المنطقة الهدم، فهو
من هجر أسرة أم على من منطقة “اللِجه” ومن شرق يعبد، وهو الذي يلاحقهم في هذه
المنطقة ويمكن أن يكون والده الذي هجَرهم من السنديانة قبل حوالي (59) عاماً، حسب
تلميح “أم علي”، في إشارة منها إلى السياسة الإسرائيلية الممنهجة والهادفة إلى
تفريغ الأرض من سكانها.
وأثرهذا التشرد المتواصل الذي فرض على أسرة “أم علي” بشكل كبير على إثنين من
أبنائها الذكور، وأصبحت تصرفاتهما غير طبيعية فعلي(41)عاماً أكبر أبنائها، ينام منذ
أكثر من عشر سنوات داخل برميل بلاستيكي ويرفض أن ينام معهم دون أي سبب، أما إبنها
رامي فلم يعد بكامل قواه العقلية ويتصرف بشكل غريب ومريب، وحالة رامي بدأت بعد أن
إعتقلته سلطات الاحتلال وأوسعته ضرباً وأمضى حوالي عشرين يوماً في السجن ليخرج
بعدها بهذه الحاله.
إغرورقت عينا “أم على” بالدموع وهي تقول تخيلوا هذه العيشة التي أحياها زوجي
مقعد لا يتحرك ويشكو من آلام حادة على مدار الساعة وولديَ، علي ورامي ليسا بكامل
قواهما العقلية ونسكن في خيمة غير صالحة لحياة إنسانية.
ولم تتوقف معاناة هذه الأسرة عند هذا الحد، فهي مثقلة بالديون لأصحاب المحال
التجارية، و حتى المساعدات القليلة التي تأتيهم من وكالة الغوث تشكل عبئاً عليهم
لأنهم يضطرون لجلبها من بلدة يعبد وتكلفهم مصاريف نقل يكونون غالباً عاجزين عن
دفعها وخاصة أن خيمتهم بعيدة نسبيا عن منطقة امريحه من الجهة الجنوبية، فالطريق إلى
خيمتهم ترابية ووعرة مليئة بالحفر الموحلة ومن الصعب على السيارة الصغيرة الوصول
إليهم في فصل الشتاء.
وتعمدت سلطات الإحتلال منع الرعي في تلك المنطقة التي يعيش سكانها على تربية
الأعنام، من خلال إعتقال كل من يقترب من المستعمرات التي تجثم على أراضي بلدة يعبد
المجاورة والتي تحاصر منطقة امريحه شرقاً وغربا.
وتقوم سلطات الإحتلال منذ العام 2002 بحملات هدم للبيوت وللخيام في هذه المنطقة
المنكوبة والذي يبلغ عدد سكانها حوالي (500) شخص يعيشون بلا شبكة كهرباء ولا ماء
ولا شوارع معبدة، إضافة إلى حصار من جميع الجهات وبوابات حديدية تغلقها سلطات
الإحتلال الساعة السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً، فهم يعيشون في سجن تمهيدا
لترحيلهم من المنطقة.