البلدة القديمة بالخليل .. إجراءات صهيونية مستمرة لتهويدها

حالة رعب يومية مفروضة على سكانها الشرعيين من الاقتحامات الصهيونية في البلدة القديمة بالخليل
للمعاناة في البلدة القديمة لمدينة الخليل أوجه متعددة. ربما تختصر هذه العبارة
ما تعانيه هذه البقعة المُحاصَرة والمعزولة عن باقي المدينة على يد الاحتلال
الصهيوني من إجراءات لم تتوقف منذ احتلالها سنة 1967، وازدادت تصعيداً منذ سنة
2000.
ويمكن القول إنّ الفلسطينيين في هذه المنطقة، الذين يُقدّر عددهم بما لا يقل عن
35 ألفاً، يُعاقَبون بسبب بضع مئات من المستعمرين موزّعين على خمس بؤر في قلب
البلدة، استقروا فيها بحماية أكثر من ألف من جنود الاحتلال.
أما أبرز جرائم الصهاينة التي ما زالت البلدة القديمة تتعرض لها؛ فهي هدم منازل
المواطنين ومنشآتهم الخاصة أو الاستيلاء عليها، وإغلاق الشوارع، وإغلاق مئات المحال
التجارية وطرد أصحابها من التجار منها، وحظر التجوال لفترات طويلة. وتلحق بذلك
البوابات الحديدية والإلكترونية التي وضعتها قوات الاحتلال، ونقاط المراقبة
العسكرية فوق أسطح مبانٍ مسكونة، والكثير من الحواجز الإسمنتية والترابية فضلاً عن
الحواجز الثابتة. وإذا ما أُضيفت إلى ذلك كله استفزازات المستعمرين أنفسهم؛ فإنّ
ذلك جعل التحرك في بلدة الخليل القديمة أشبه بالمشي وسط حقل من الألغام، وهو ما
أجبر الكثير من الفلسطينيين على مغادرتها محاولين الانعتاق من السجن الكبير وضائقة
الحياة العسيرة المفروضة عليهم قسراً.
تهجير وحصار
وفقاً لجمعيات حقوقية ترصد الأوضاع في الخليل؛ فإنّ ممارسات المستعمرين وجنود
الاحتلال الذين يساندونهم، ساهمت في تهجير ما يقرب من 40 في المائة من سكان البلدة
القديمة، أما من تبقّى منهم داخلها فيعيشون رهائن في منازلهم دون إذن بالحركة في
الشوارع الرئيسة المغلقة في البلدة.
ويقول المواطن محمد المحتسب، وهو من سكان البلدة القديمة، “إنّ أهالي البلدة
يكابدون الكثير من الألم والمعاناة، فلا يكاد يمرّ يوم دون أن يتعرضوا للاعتداءات
الجسدية أو بالألفاظ البذيئة” من قبل المستعمرين أو الجنود الصهاينة، محذراً من أنّ
“البلدة تحوّلت إلى مدينة أشباح أو إلى سجن كبير، كما أنّ الوصول إليها والتجوال في
شوارعها وأزقتها يُعدّ مغامرة محفوفة بالمخاطرة، وسط الثكنات العسكرية والحواجز
والبوابات والإجراءات والممارسات القمعية الإسرائيلية” لتشديد الخناق والحصار
عليها، ومن ثم رحيل من تبقى من سكانها الفلسطينيين.
وأكد المحتسب في هذا الصدد “أنّ حياتنا تحوّلت إلى جحيم من أجل سواد عيون بضع
مئات ممن يسمون بالمستوطنين”، حسب وصفه.
محال تجارية مغلقة
ويشير أهالي البلدة القديمة إلى أنّ نحو ألفين وخمسمائة محل تجاري اضطرت لإغلاق
أبوابها، وذلك بموجب سلسلة من الأوامر العسكرية التي أصدرها سلطات الاحتلال منذ
مجزرة المسجد الإبراهيمي سنة 1994، وذلك في قصبة السوق وشارع الشهداء والسهلة
والشلالة، ما سهّل على المستعمرين التسلل إلى تلك المحلات والاستيلاء عليها والعبث
بمحتوياتها أو حرقها، ضمن مخططهم التوسعي الرامي لتهويدها.
وأوضح “أبو تيسير”، وهو أحد أصحاب المحلات التجارية المغلقة، أنه بعد إغلاق محله
التجاري في البلدة القديمة تغيّر مجرى حياته، فبعد أن كان يمتلك منشأة تجارية تدرّ
عليه دخلاً وفيراً؛ أصبح مهدّداً بالعوز والحاجة، وأما البلدة القديمة التي كانت
مركز النشاط التجاري لمدينة الخليل، بحيث لا يجد المتسوق فيها موطئ قدم من شدة
الازدحام؛ فقد غدت خالية مقفرة، حسب قوله، مشيراً إلى أنّ بعض المحال التجارية
فارغة والغبار يعلو رفوفها، ويعتقد أنه لا فائدة من فتحها بسبب عدم تمكن المواطنين
من الوصول إليها والشراء منها.
وتذكر المصادر التاريخية أنّ بيوت البلدة القديمة وأسواقها وأزقتها التي بُنيت
قرب المسجد الإبراهيمي الشريف، تعود إلى العهد الأيّوبي والمملوكي والعثماني، ومع
ذلك فيجري إخضاعها لإجراءات تهويد منذ سنة 1967 ترمي إلى بناء ما يسمى بالحي
اليهودي على أنقاضها، بالتزامن مع إفراغها من سكانها الشرعيين الفلسطينيين.
وما فاقم الموقف؛ أنّ “اتفاقية الخليل” التي وقعت بين السلطة الفلسطينية وحكومة
الاحتلال في عهد بنيامين نتنياهو، فرضت قسمة مجحفة على مدينة الخليل، وجعلت بلدتها
القديمة ومعها المسجد الإبراهيمي، تحت السيطرة الاحتلالية المباشرة وفوضت الاحتلال
عمليا بإدارة شؤون 85 في المائة منها، كما سمحت بالالتفاف على نظم البناء والإعمار
المنصوص عليها في قانون البلديات لصالح المستعمرين.