شجرة الخروب.. أغرب مجلس قروي في العالم

خلال السنوات الست الماضية, كانت طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، التي تعمل لصالح مجلس التنظيم الأعلى في “الإدارة المدنية الإسرائيلية” الذي يتابع عمليات البناء في الأراضي الفلسطينية, تتابع طيلة الوقت أي نشاط عمراني طارئ في قرية العقبة في سفوح طوباس الشرقية في الضفة الغربية.
وكلما كانت هناك إضافة لغرفة صغيرة أو شق شارع ينفذه المجلس القروي, ترصده
الطائرات, وتصدر السلطات الإسرائيلية على ضوء الإحداثيات التي ترسمها طائرات
الاستطلاع إخطاراً فورياً بهدمه.
وفي كل الحالات كانت السلطات الإسرائيلية، تدعي أن أبنية جديدة تمت إقامتها
“تتعارض مع القانون”، لكن هذه الطائرات المتطورة التي تكشف كل صغيرة وكبيرة,. فشلت
فشلاً ذريعاً في تحقيق جزء من أهداف مسيريها، لأنها لم تكتشف بناية المجلس القروي،
الذي يقوم بكل تلك الإنشاءات من أبنية وتعبيد شوارع وافتتاح مؤسسات.
ولأن أي بناء جديد ممنوع في هذه القرية, فقد اختار السكان إحدى أقدم الأشجار
لتكون مقراً للمجلس القروي، يعقدون تحتها اجتماعاتهم، مستفيدين من ظلها الثقيل من
جانب, ولتكون هذه الفكرة أحد أهم وسائل مواجهة السياسات الإسرائيلية المتمثلة في
هدم أي مبنى جديد.
لم يكن الكل في هذه القرية معنياً كثيراً بشجرة خروب دون الأشجار الأخرى في
المحيط، لولا أنها تحولت إلى أكثر الأدوات الرمزية، التي وظفها سامي صادق، رئيس
المجلس القروي لمواجهة القرارات الإسرائيلية، التي ترمي إلى هدم 19 مبنى في
القرية.
وبطبيعة الحال فإن المجلس القروي “الخروبة” لم يكن هدفاً من بين تلك الأهداف
التي تنظر فيها المحكمة الإسرائيلية العليا منذ أكثر من سنتين.
“في العالم عجائب سبع معروفة, وكذلك غرائب كثيرة يجهلها الكثيرون, لكن أغرب هذه
الغرائب، هو أن يحول سكان قرية فلسطينية شجرة خروب لتكون مقراً لمجلس قريتهم”، قال
أحد المصورين الصحفيين، زار القرية مؤخراً قادماً من إحدى دول الاتحاد
الأوروبي.
وفي قرية العقبة الواقعة في سفوح الضفة الشرقية, تلمع أشعة الصباح الباكر على
أوراق شجرة الخروب كثيفة الأغصان داكنة الخضرة، التي تحيطها مقاعد إسمنتية، يجلس
المجتمعون والزائرون عليها.
ووقع اختيار مكان المجلس القروي الغريب هذا، قبل تسع سنوات، عندما قررت وزارة
الحكم المحلي في حينه، تشكيل أول مجلس قروي، يساعد في خدمة سكان قرية العقبة، التي
تقف على خط النار في سفوح الضفة الشرقية التي يغلقها الجيش الإسرائيلي.
وبالرغم من غرابة الفكرة، التي دعت لإنشاء هكذا مقر لسلطة محلية, فإن هيكلية
المجلس تبدو بسيطة إلى أبعد حد، إذ تم إعداد أجزائه المكونة من بعض المقاعد
الإسمنتية وساحة دائرية عليها باطون مصبوب.
“منذ ذلك التاريخ وأنا أدير القرية من هنا” قال صادق، مشيراً إلى فضاء رحب في
الجهة الجنوبية من القرية التي تطوقها الجبال.
ويقول سكان القرية، إن عمر شجرة الخروب هذه أكبر من أعمارهم، وأنهم وعوا الحياة
وهي شجرة قائمة.
وفي ظلال الخروبة، عقد المجلس القروي كثيراً من الاجتماعات العادية والأخرى التي
كان يشترك فيها ممولون أجانب لمشاريع في القرية.
كانت هدأة الصباح الرائق تبعث على البرودة الشتوية تحت ظلال المجلس “الخروبة”
عندما كان صادق ينتظر بعض الجهات الأجنبية التي تنوي زيارة القرية.
ويمضي رئيس المجلس يومه الذي يبدأ عادة في الصباح الباكر، وينتهي عند المساء،
متنقلاً على كرسيه المتحرك تحت ظلال الخروبة.
وفي العادة يجتمع أعضاء المجلس الستة في هذا المجلس، يتحلقون حول جذع الشجرة
الذي ينفصل في مرحلة ما إلى قسمين، وعلى بعد أقل من مترين اثنين وضع السكان يافطة
كبيرة كتب عليها “السلطة الوطنية الفلسطينية- وزارة الحكم المحلي- مجلس قروي العقبة
يرحب بكم”.
وهناك لا بناء يشير إلى وجود بناية لمجلس قروي تقليدي تؤشر إليه اليافطة، سوى
الشجرة الضاربة بجذورها في أرض صخرية صلدم.
“لقد وضعناها مؤخراً، ألا تضفي على المجلس نوعاً من الهيبة أمام مجالس العالم
الأخرى” قال صادق مبتسماً، مشيراً إلى اليافطة، وإلى أنه ليس من الصعب الوصول إلى
الخروبة، إذ إن جميع سكان القرية يعرفون أين يجدون رئيس المجلس، الذي يدير أغرب
مجلس قروي في العالم.
ومن السهل الوصول إلى “مقر المجلس” الذي يعرفه سكان القرية والقرى المجاورة
وكثيرة هي الاتفاقات والمشاريع، التي وقعت تحت ظلال هذه الشجرة، التي يمتد عمرها
إلى مئات السنين.
وقال صادق إن آخر اتفاقية وقعت في ظلال الخروبة، كانت اتفاقية مع السفارة
البلجيكية، تخص بناء غرف صفية ومظلات للطلبة، وإن العشرات من الوفود التضامنية،
وممثلي السفارات والمؤسسات الحقوقية والتضامنية، وفدت إلى هذا المقر صيفاً
وشتاءً.
ويتفاخر صادق بلهجة ملؤها المرارة: “ربما نحن الوحيدون في العالم الذين ندير
مجلساً محلياً بهذه الطريقة”.
ويتذكر الرجل كيف كانت القرية قبل العام 1967 وهي مجموعة من بيوت الصفيح، وكيف
أصبحت الآن مميزة على مستوى العالم.
كان صادق يجري اتصالاً هاتفياً مع إحدى الجهات، بصفته رئيس مجلس القرية من تحت
الخروبة، عندما طلب منا التجول في أرجاء القرية، التي أهم ما فيها شجرة لم تستطع
أدق التكنولوجيا الإسرائيلية الجوية اكتشافها . . . وفي القرية غرائب أخرى.