خانيونس.. طفولة ضائعة و أوضاع اقتصادية صعبة

ارتفع صوت الصبي عمر عاصي، منادياً على من لديه قطع نحاس أو ألمونيوم أو كراسي
بلاستيكية مكسرة، بينما يجوب بعربته التي يجرها حمار شوارع وأزقة القرى والبلدات في
منطقة جنوب قطاع غزة.
في أحد شوارع بلدة القرارة شمال مدينة خانيونس، توقف عمر بعربته في احد الشوارع
يتابع بعينين تملؤهما الحسرة أطفالاً في مثل سنه يلهون بلعب كرة القدم، توقف عمر عن
النداء وهو يتابع الأطفال، طالبا من احد الأطفال أن يحضر له شربة ماء وواصل متابعة
اللعبة واللاعبين .
يقطن عمر الذي يبلغ عمره خمسة عشر عاما بلدة بني سهيلا، إحدى بلدات المنطقة
الشرقية بمحافظة خانيونس.
وحول امتهانه لجمع الخردة وطفولته المفقودة تحدث قائلاً: ذلك هو الحل الوحيد
للحصول على المال الكافي لإعالة أسرتي، بعد أن فقد والدي عمله داخل أراضي 48 بعد
بداية الانتفاضة بقليل، كان عمري آنذاك عشر سنوات، حيث أثرت الحالة الاقتصادية
الصعبة وعدم قدرة والدي على تلبية طلباتنا، فتركت المدرسة والتحقت بالعمل مع احد
الصبية الذين يعملون بجمع الخردة في منطقتنا.
ويتحدث عمر عن أسرته قائلاً، أنا اكبر إخوتي ولدي ثلاث أخوات اصغر مني، يدرسن
حاليا بالمرحلة الابتدائية، وأقوم بالإنفاق عليهن بجانب بعض الدخل الذي يحققه والدي
من عمله المتقطع في مجال البناء، ولكنني غير سعيد بذلك.
واضاف: أنا أعمل طول النهار ومن ساعة مبكرة جدا، حتى بعد أن استقللت بعملي
وأصبحت لدي عربتي الخاصة منذ عام تقريبا إلا إنني لا أجد الوقت للراحة أو اللعب مثل
باقي الأطفال وكثيرا ما أقابل الأطفال، الذين كنت أدرس معهم وهم ذاهبون إلى المدرسة
أو عائدون منها، صحيح إنني أساعد أسرتي ولكني احتاج لأن ألعب مثلهم أو أرتاح وأجلس
في البيت، ولكن ذلك غير ممكن فيوم الراحة يعني ضياع دخل ذلك اليوم.
وعن كيفية تصرفه بما يجمعه من خردة، بين عمر أنه ينقل البضاعة مباشرة إلى مصانع
كراسي البلاستيك، أو يقوم بفصل المعادن التي يجمعها ومن ثم يبيعها لأشخاص يقومون
بدورهم ببيعها أو إعادة تصنيعها، وهم غالبا لا يدفعون بسخاء، لذلك فالعائد ليس
كبيرا، مما يتطلب العمل المتواصل للحصول دائما على كميات أكبر.
وحول نظرة أسرته لما يقوم به يقول عمر، إن والده لا يعلق غالبا، أما والدته فهي
حزينة من أجله وتتمنى لو قدر له العودة للدراسة، ليكون له مستقبل جيد، حيث إن هذه
المهنة وإن كانت تساعد حاليا إلا أنها لا تعني شيئا للمستقبل.
وعما يجول بخاطره حين رؤية أطفال في مثل سنه وهم يلعبون ويلهون، يذكر عمر والألم
يتناثر مع كلماته، لابد أن ظروفهم وظروف أسرهم أفضل مني، وكم تمنيت لو تركت العربة
ولعبت معهم قليلا، ولكن ذلك صعب فبالإضافة لمتطلبات عملي فأنا لا أعرفهم و من الصعب
أن يتقبلوني، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي أتحرر فيه من هذه الالتزامات وأعود للحياة
التي فقدتها والأصحاب الذين قليلا ما أراهم.
أما متى يحدث ذلك، فيرى عمر أن الحل هو باستقرار الأوضاع عامة وعودة والده
للعمل، حينها يقول عمر وهو يرنو بنظره بعيداً، حينها أعود للدراسة وأعيش حياتي مع
أبناء جيلي، حينها اشق طريقي لبناء مستقبلي وتعويض ما ضاع من سنين.
وبينما تثير كلماته الكثير من الحيرة وتبحث أحلامه عن أمل يحققها، وفي انتظار
فرج من الله قريب، ينطلق عمر بعربته من جديد ويعلو صوته مناديا فيغطي أصوات لعب
وصخب الأطفال في كافة الشوارع التي يمر بها.