خبير اقتصادي : فلسطين تشهد أزمات اقتصادية خطيرة

وصف الدكتور عبد الرحيم الحنبلي الخبير الاقتصادي ورئيس مصنع الصفا لمنتجات الألبان التابع للجنة الزكاة في مدينة نابلس الوضع الاقتصادي الفلسطيني بالخطير، مشيرا إلى الحصار المفروض على هذا الشعب، وتتابع الحروب عليه.
وأكد الحنبلي ان مدينة نابلس كانت من اكثر المدن الفلسطينية تعرضا لتلك الأخطار
الاقتصادية، لما تتعرض له المدينة من عمليات اقتحام وتدمير ممنهج.
أرقام خيالية
وقال الدكتور عبد الرحيم الحنبلي أن عدد الفلسطينيين العاطلين عن العمل بلغ سبع
مئة ألف مواطن، وان عدد الذين هاجرو إلى الخارج قرابة اثنى عشر ألف، وان هناك
أربعين ألف على الطريق .
وأكد الحنبلي ان الشعب الفلسطيني ظل يتأرجح بين نسبة العمالة الموردة لدولة
الإحتلال قرابة ثلاثة عقود، وبين النمط الحرفي المتواضع ما بين الزراعة والصناعة
والتجارة إلى حد ما.
وأضاف الحنبلي “لكنه مع كل هذا التواضع كانت نسبة البطالة قليلة نسبياً إلى كثير
من دول العالم الثالث على حد تعبيرهم، وكذلك نسبة الفقر قليلة أيضاً ونسبة الفوارق
الإجتماعية ليست هي الطابع العام حيث أن نسبة 80%، من الشعب الفلسطيني في الضفة
وقطاع غزة تحديدا يعيش بمستوى متقارب، وعندهم نوع من الاكتفاء الذاتي المتوازن بين
الدخل والاحتياج”.
واستطرد الحنبلي ” كان ذلك إلى أن جاءت فترة الانتفاضة في أواخر الثمانينات
لتنحسر حجم العمالة اليدوية لدى الجانب الإسرائيلي، وتخضع المقومات الداخلية لمصادر
الدخل للتذبذب، ولكن حتى في هذه الفترة كانت المعونات الخارجية تحت عنوان (دعم
انتفاضة الشعب الفلسطيني) والتي كانت نزيهة عن تهمة الابتزاز السياسي، تغطي جانبا
كبيرا من احتياجات الشعب الفلسطيني”.
وأوضح الحنبلي ان المعطيات تشير إلى حالات من الانتعاش الاقتصادي في تلك المرحلة
“فترة الانتفاضة الأولى” ولو بشكل محدود نتيجة روح التحدي والاعتماد على الذات
وتفعيل إرادة الإبداع والابتكار، “ثم جاءت المرحلة الأشد سوادا بالنسبة للاقتصاد
الفلسطيني متزامنة والاتفاقيات السياسية، والتي كبلت الشعب الفلسطيني في كل مناحي
الحياة وخاصة الاقتصادية منها وهو ما أطلق عليه تعارفا (اتفاقية باريس الاقتصادية)،
ونحن في هذا الصدد لا نتناول هذه الاتفاقية من حيث حاجة الشعوب للانفتاح على
الاقتصاد العالمي ومواكبة عصر العولمة والتقدم الصناعي والقبول بالاتفاقية تحت إطار
الرزمة الواحدة، لأننا نعلم أن بداية تلك المرحلة لم تمكن الجانب الفلسطيني من
الرفض لا سيما أنها كانت تبدو مثل غيرها من الاتفاقيات وخاصة السياسية، لأنها كانت
تبدو مثل الضوء في نهاية النفق لإنقاذ الشعب الفلسطيني من محنته والمشكلة عندنا
أننا لانقتنع في الغالب”.
وتابع يقول: “كان الشعب الفلسطيني والذي يعتمد على الصناعات الحرفية بنسبة 70%
أو أكثر يستهلك أكثر من 80% من اليد العاملة الفلسطينية، سواءاً ذلك في المصانع
التي أغلقت وشطبت والتي كانت تستوعب 40% من اليد العاملة والمتمثلة بمصانع الأحذية
والصابون والنسيج والمواد الغذائية ومصانع الحجر والبلاط وغير ذلك أو بالحرف
اليدوية ونسبة 40% الأخرى كحرفة الخياطة والأحذية والنجارة والحدادة والزراعة
بأنواعها النباتية وتربية الحيوانات، والإتجار بمنتجاتها المتنوعة وما شابه ذلك،
وتبقى نسبة 20% من الشعب الفلسطيني مقسمة ما بين الجهاز الحكومي والقطاع الخاص من
إداريين ورجال أعمال ونسبة ضئيلة جداً من الفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة في إطار
الوضع المقبول”.
إغلاق لمؤسسات فاعلة
وأشار الدكتور الحنبلي إلى ان حال الشعب الفلسطيني اليوم قد ازداد خطورة، “فقد
تعمقت الفجوة بشكل مرعب بين الأمس واليوم، وتحول الشعب الفلسطيني إلى مستهلك وتخلى
عن إرادته الذاتية في ممارسة الزراعة والصناعة والتجارة، وذلك نتيجة تلك الإتفاقيات
المجحفة بحقه وحق اقتصاده الوطني، وفتح باب الإستيراد على مصراعيه في كل شيء من
الإبرة والخيط إلى الأجهزة الكهربائية”.
وأضاف “حتى أن مصنع الصفا لمنتوجات الألبان ومصنع أجهزة التلفزيونات (سامسونك)
ومصانع الكرتون الإلكترونية ومصنع الألمنيوم ومصنع ملحيس للأحذية والذي كان يضارب
مصانع الأحذية الإسرائيلية ومصانع الزيوت النباتية ومصانع البلاط وغيرها، قد أغلقت
بالكامل أو أصبحت شبه مغلقة في منطقة نابلس وحدها فما بالك في باقي محافظات الوطن
في الضفة الغربية وقطاع غزة”.
وارجع الحنبلي سبب ذلك كله إلى الإستيراد غير المنظم والبضاعة المستورة “رخيصة
الثمن”، من اجل أن يصب الربح في جيوب جزء من أصحاب رؤوس المال المتبقي على حساب
الغالبية التي تعيش تحت خط الفقر. “دوما ندفع الثمن بخطر تلك الاتفاقيات، ولكن بعد
فوات الأوان.
عزل وحصار
وأكد الحنبلي أنه كان من نتائج تطبيق سياسة العزل والإغلاقات المتكررة والحصار
المستمر من قبل إسرائيل والممارسات العدوانية التي تقوم بها قوات الاحتلال
الإسرائيلي منذ أواخر أيلول – سبتمبر 2000، انخفاض وتدهور كبيرين في مكونات
الاقتصاد الفلسطيني سواء على صعيد الأداء الكلي أو الجزئي، كما أن الضرر الذي أصاب
كافة القطاعات، سواء صناعية وزراعية أو إنشاءات وتجارة واستثمار وغير ذلك من
القطاعات، أدى إلى تراجع المؤشرات الاقتصادية والتبادل التجاري بشكل واسع وغير
مسبوق.
وبين الدكتور الحنبلي انه منذ أوائل عام 2006 وبعد الانتخابات التشريعية وتشكيل
الحكومة الفلسطينية، قامت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مع دول الاتحاد
الأوروبي بفرض حصار دولي ظالم على الشعب الفلسطيني لم يسبق له مثيل، وضع الاقتصاد
الفلسطيني على حافة الانهيار، وأدى إلى ارتفاع معدلات البطالة إلى نسب غير معهودة
في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أكثر من ثلاثة عقود، “إذ ارتفعت من 14% عام 1999
قبل الانتفاضة إلى 28% عام 2005 إلى أكثر من 38% حاليا، بحيث فقد أكثر من 328 ألف
عامل لأماكن شغلهم”.
وقال الحنبلي: “على ضوء التطورات السياسية وبالأخص بعد تقلص المساعدات الدولية
التي يعتمد عليها الفلسطينيون بشكل كبير سواء كانت مؤسسات أو أفراد، حيث تم توقف
معظم المساعدات الدولية المقدمة للسلطة الفلسطينية منذ الانتخابات التشريعية في
يناير 2006، فقد سجل الاقتصاد الفلسطيني تراجعا هذه السنة أشد من التراجع الذي شهده
عام 2002 أثناء الاجتياح الإسرائيلي الكامل للأراضي الفلسطينية واحتلال قري ومدن
الضفة الغربية وفرض الحصار المشدد على الأراضي الفلسطينية”.
لماذا نابلس؟
وعن سبب تفاقم الوضع في نابلس، مقارنة مع الوضع في المدن الأُخرى، يضيف الحنبلي:
“ضرب البنية التحتية تم في كل المدن الفلسطينية، لكن الوضع الأصعب كان في نابلس،
وذلك لأن الاحتلال ركز ضرباته على نابلس أكثر من أي مدينة أخرى، إضافة إلى الحصار
المفروض منذ بداية الانتفاضة، وبالتالي فان تداعيات الحصار وتأثيراته كانت أكبر من
أي مدينة فلسطينية، فنتج عن ذلك تردي للوضع الاقتصادي كما أثر على الوضع النفسي،
وبالتالي تأثير على كل مجالات الحياة وبالتالي نتج الوضع الذي نعيشه الآن”.
وأوضح الحنبلي أيضا ان هناك من يحاول استغلال الأرقام العالية في جرائم القتل
لربطها بالخلل الأمني وانتشار فوضى السلاح وما إلى ذلك، وقال: “ربما هناك بضع حالات
قتل لها علاقة بفوضى السلاح، لكن هناك حالات لها علاقة بخلافات عشائرية وما شابه
ذلك، هناك فوضى وهناك خلل، لكن أيضا هناك تسليط زائد عن اللزوم على هذا الموضوع،
فإذا قارنا حجم الفوضى مع الحجم الهائل للفراغ فأننا نجد الجريمة محدودة إلى درجة
غير عادية”.