لم يخطر بباله أن العودة إلى القطاع ستكلفه ثمناً باهظاً قد يكون روح أحد أفراد
أسرته الثلاثة الذين خرجوا للعلاج على أمل العودة سريعاً بعد إجراء الفحوصات الطبية
المقررة .
أبو إبراهيم خرج من وطنه ومسقط رأسه آملاً في العودة عما قريب إلا أن قوات
الاحتلال الإسرائيلية أغلقت أبواب العودة في وجهه ، بات والآلاف من المواطنين
المرضى يفترشون الأرض ويلتحفون السماء مفتقرين إلى أدنى الخدمات الإنسانية إلا من
بعض ما يقدمه الهلال الأحمر الأمر الذي ينذر بكارثة إنسانية محدقة بستة آلاف مواطن
فلسطيني هم مجموع العالقين في الجانب المصري بينهم 500 مريض يعانون أمراض مزمنة
كالسرطان ومرضى الكلى والدم والنخاع الشوكي وفق ما أفاد معاوية حسنين مدير عام
الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة، بالإضافة إلى خمسة عشر مريضاً مزمناً في مستشفيات
غزة يكادون يفقدون حياتهم بفعل حاجتهم الماسة للعلاج بالخارج وإغلاق معبر رفح في
وجههم.
لليوم العشرين على التوالي كانت المعاناة أشد وطأة عند الجانب المصري من معبر
رفح الحدودي ستة آلاف فلسطيني باتوا عالقين على الحدود لا يمكنهم العودة إلى
الأراضي الفلسطينية أموالهم قد نفذت، بعضهم حاول جاهداً مستجدياً أصحاب الصيدليات
في مدن العريش والشيخ زويد بمحافظة شمال سيناء أن يقبلوا إعادة الدواء واسترجاع
النقود فقط ليتمكنوا من توفير لقمة خبز أو شربة ماء تزيد من فرصهم في الحياة لحين
العودة قريباً بإذن الله، وآخرين كانوا يأملون بعد سنين فراق طويلة بلقاء الأهل
والاطمئنان عليهم إلا أن إغلاق المعبر كان محكماً فرجعوا من حيث أتوا بعد أن ساءت
أحوالهم وأطفالهم على الجانب المصري.
يقول أبو إبراهيم في اتصال هاتفي أنه لم يبق على شيئاً من الهدايا التي جاء بها
لأهله وأطفاله بعد طول غياب دام ستة شهور برفقة والده المريض وطفلته التي أجرت
لتوها عملية زرع نخاع ، ويتابع :” أخشى الآن تزداد الأزمة ويستمر الإغلاق فيلاقي
أحدهم حتفه هنا، سيكون ذلك قضاء الله وسأرضى به لكن وقعه سيكون غاية في القسوة على
نفسي ” ، يعلو صوته متحجرشاً بذرات الدموع :”بالأمس ذهب إلى الصيدلي ليسترجع بعض
الأدوية ويعيد إليَّ نقودها لكنه رفض، خاصة أن الكثير باتوا ينتهجون ذلك ليوفروا
بعضاً من متطلباتهم الأساسية بعد أن نفذت نقودهم “، ويستطرد :” المساعدات الإغاثية
التي يقدمها الصليب الأحمر قليلة وأعداد الناس في تزايد مستمر خاصة وأننا في
الإجازة الصيفية الكثيرون من المغتربون يأتون لزيارة أهلهم ينعمون بالشقاء على
العمر بغية لمس دفء من يد أب أو أم أو شقيق غابوا عنه سنوات طويلة من العمر “.
ويستكمل :”كنت قد استأجرت غرفة في أحد الفنادق المتواضعة بالعريش لأكون قريباً
من المعبر في حال إعادة فتحه لكني مع استمرار الإغلاق وجدت نفسي عاجزاً عن السداد
فتلحفت بالسماء غطاءً وافترشت أرصفة الأرض مأوىًّ وأفراد أسرتي المرضى ” ، ويطالب
أبو إبراهيم المؤسسات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان أن تضغط باتجاه إعادة المعبر
لإنهاء معاناة ستة آلاف فلسطيني بينهم 500 مريض يعانون أمراضاً مزمنة وتسوء حالتهم
الصحية يوماً بعد يوماً نظراً لافتقارهم أساسيات الحياة الكريمة.
بعد طول انتظار.. رحل أبداً
رشا وسناء عبد الفتاح من ألمانيا والإمارات أتوا بغية لقاء الأب والأم المريضين
لكن المعبر أغلق في وجوههم ورغم ذلك بقوا في مدينة العريش ينتظرون فرجاً قريباً ،
صلوات ودعوات خالصة لله بأن يفرج الكرب ويزيل الهم لكن القدر كان أقوى رحل الأب وعم
الحزن وتبدد أمل اللقاء إلا في جنة عرضها السماوات والأرض، في بيت العزاء كانت
الدموع مختلطة بين حزن بسبب قهر وظلم جائر وبكاء على أب رنا إلى رؤية بناته
وأولادهم لكن ألمه ووجعه بإرادة الله أقصاه إلى حيز الموت، الأم في سبعينيات عمرها
كانت تسمك سماعة الهاتف تسمع كلمات العزاء من ابنتيها في العريش دون أن تقوى على
الرد فقد أغرقت الدموع أخاديد وجهها ورغم محاولة من حولها تهدئتها إلا أنهم لم
ينجحوا في كفها عن البكاء والدعاء بأن يكون الله حسبها فيما أصابها من ألم ، “حسبي
الله ونعم الوكيل” رددتها عشرات المرات وما تلبث أن تهدأ أنتحي إليها قليلاً لأقدم
واجب العزاء لها، وبدموع الحزن المنسدلة على وجنتها تتمتم بكلمات كان فحوى قصة
الهجران والبعد القسرى :” لم يرزقني الله أولاداً ذكور فقط ابنتي رشا وسناء وشاء
القدر أن يتزوجن في الخارج إحداهن في ألمانيا والأخرى في الإمارات، على مدار
السنوات الماضية كنت أزورهم ويأتون لزيارتنا في الصيف إلا أن اندلعت الانتفاضة قبل
سبع سنوات من وقتها لم يستطيعوا الولوج إلى القطاع وما عدت وأبيهم المقعد على السفر
فالمعاناة كبيرة خاصة لأناس تقدم بهم العمر مثلنا، إلا أنهم على مدار العامين
الماضيين حاولوا النزول إلى القطاع بعدما تفاقم مرض أبيهم وساءت أحوالي الصحية
العام الماضي انقضت الإجازة الصيفية وهم على أعتاب المعبر محاصرين لم يملكوا الدخول
إلى القطاع بفعل إغلاق المعابر ، وهذا العام لم يستطع أبيهم الانتظار وشاء القدر أن
يغادر الدنيا دون التنعم برؤية محيا بنتاه وأطفالهن ” ، ” الحمد لله “، عقبت ، ثم
ثارت :”كان من المفترض أن يخرج للعلاج في الأردن لإجراء عملية تغيير شرايين لكن
إغلاق المعبر حال دون ذلك ولم تقبل مستشفيات دولة الاحتلال في أراضي الـ48 علاجه
وإجراء العملية له، رحل إلى جوار ربه أما ابنتي فلم يملكن إلا الاعتصار حزناً
وألماً قلت لهن أن يعودن أدراجهن لكنهن أصررن على البقاء لقد نفذت أموالهن وساءت
أحوال وصحة أطفالهن وأخيراً عادتا إلى العريش لاستجداء صاحب الصيدلية أن يستعيد
الدواء الذي أحضرتاه للأب بكميات كبيرة ويعيد إليهن نقودهن علّها تعينهن على البقاء
مزيداً من الوقت لحين انفراج الأزمة والعودة لاحتضان الأم الوحيدة في غزة”.
الأزمة خانقة
بين مد وجزر تراوحت الأخبار والتصريحات حول إعادة فتح معبر رفح وإنهاء أزمة
العالقين هناك، خلال الأسبوع الماضي دار الحديث عن إعادة فتح المعبر ليومين يدخل
خلالها العالقين إلى القطاع إلا أن الأمر لم ينفذ وكان كسراب مما زاد حدة الأزمة
على الجانب المصري.
وفي ظل المد والجزر يتزايد أعداد المواطنين العالقين على المعبر وتزداد معاناة
المرضى الذين يعانون أمراضاً مزمنة وأولئك الذين أجروا لتوهم عمليات جراحية
ويحتاجون إلى رعاية وفترة نقاهة ليستردوا صحتهم.
فيما طالبت الأمم المتحدة بضرورة فتحه وتجنيب المواطنين الفلسطينيين هناك كارثة
إنسانية محققة إذا ما استمر الإغلاق وزاد الحصار حيث قال مايكل ويليامز مبعوث الأمم
المتحدة للشرق الأوسط :”علينا ألا نسمح بأن تلقي الاعتبارات السياسية بظلالها على
احتياجات 1.5 مليون شخص في غزة، كما دعا جون جنج مدير عمليات “الأونروا” في قطاع
غزة سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى إعادة فتح المعابر الحدودية مع القطاع خاصة التي
تمر من خلالها الأدوية والمساعدات الغذائية والإنسانية لضمان عدم تدهور الأوضاع في
القطاع المنكوب، لافتاً أن الأونروا ستكثف جهودها من أجل مواجهة الأزمة الحالة
وتقديم خدماتها الإنسانية والإغاثية للفلسطينيين المحاصرين.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72850
