دراسة: الوقف الخيري يرسخ التكافل الاجتماعي

منذ سنوات قليلة بدأت قضية الوقف الإسلامي تنشط وتعود إلى الساحة مرة أخرى، وبدأت رغبة وتطلع أهل الخير للوقف من أموالهم على الجهات التي يعتقدون أنها الأولى في الإنفاق عليها، والأكثر نفعا على المدى البعيد، إدراكا منهم للدور الحيوي الذي يمكن للوقف أن ينهض به من إيجاد مصادر تمويل ثابتة ومستقرة للعمل الدعوي بمختلف صوره.
ومن هنا ظهر العديد من الأبحاث العلمية التي تسعى لتفعيل الوقف وتشجيع أهل الخير على وقف جزء من أموالهم على أعمال الخير، ومن هذه الأبحاث الهامة البحث الذي أعده الدكتور مرسي صبري أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر عن الوقف وسبل تفعيله.
يقول مرسي: أعرض خلال هذا البحث خطة مقترحة للتنفيذ، لضمان استمرار المؤسسات من خلال الوقف الخيري، وهي منفذة بالفعل في بعض البلاد، وإنما المقصود هو امتدادها وانتشارها على نطاق أوسع، فلا بد أن نسير في خطين متوازيين: الأول الحث على أعمال الخير، وتنمية أموال الأوقاف، بحيث يتحقق أعلى معدل للربح، والثاني هو كيفية نفع المجتمع من هذه الأموال التي أوقفها المسلمون لأعمال الخير.
فمن خلال محور الحث على أعمال الخير، وتنمية أموال الأوقاف أتصور ضرورة إعداد حملة إعلانية مكثفة ومدروسة في وسائل الإعلام المختلفة، تحت إشراف علماء الدين المتخصصين في هذا الجانب، تحث الأفراد على الوقف، وعمل لقاءات تلفزيونية وإذاعية لغرس فعل الخير والتشجيع على الوقف بأسلوب راق ومتميز وواضح الأهداف.
وكذلك عمل دراسات واقعية للحالة المعاصرة، تتضمن إحصائيات للواقع الحالي لأموال الأوقاف، مع التركيز على فكرة الأسهم، وهي أن يشترك الشخص بسهم أو أكثر حسب إمكاناته، ويقدر السهم بمبلغ ضئيل، وبذلك تزداد قيمة الاشتراكات، وهي فكرة معمول بها في كثير من الجمعيات الخيرية، ولها ثمار طيبة.
وكذلك لا بد من تنمية واستثمار واردات الأوقاف، بما يتفق مع تعاليم شريعتنا الإسلامية، وإنفاق عائداتها في أوجه الخير المخصصة لها، وبما يحقق نية الواقفين، ويعيد للوقف بعده ودوره الحضاري، ويزيل الصورة القائمة عن الأوقاف الآن، من جراء ضياع أصولها وسوء استخدام عائداتها.
الاستفادة من أموال الأوقاف
أما من خلال محور الاستفادة الكاملة من مال الأوقاف فأتصور أنه في ظل الطفرة السريعة لعالم المعلومات والاتصالات لا بد من أن يكون المسلمون في ملاحقة الركب الحضاري إن لم نكن في القمة، فلا بد من الاستفادة من هذه الطفرة العلمية، ويمكن أن تستغل بإنشاء أقمار صناعية تبث من خلالها تعاليم الإسلام الصحيح، وتدار بواسطة علماء المسلمين من جميع البلاد الإسلامية، بحيث لا تخضع لأية ميول وأغراض سياسية.
وكذلك إنشاء مدارس تلتزم بمناهج خاصة ينشر من خلالها الدين الصحيح، وتربي طلابها التربية السليمة. وأيضا لا بد من حصر كافة أراضي الأوقاف، ومنع استغلالها إلا فيما أوقفت له.
وإعداد قانون تغلظ فيه العقوبة على كل من يعتدي على أموال الأوقاف، وتكوين لجنة ملزمة بحصر أموال الأوقاف كل عام، ومتابعة المشاريع الوقفية، حتى تنعدم عملية التعدي على الأوقاف.
وكذلك الحد من ظاهرة تحرير أراضي الوقف، ومتابعة تحصيل عوائد الوقفيات.
كما أنه لا بد من تبني برامج التوجيه والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، والعمل على تعليم الواجبات الدينية وإشاعة روح الحب والتآخي والتعاون في الأمة. وتقديم العون للمؤسسات العلمية والدينية، وتحسين أوضاع القائمين عليها. وإعداد دراسات دورية عن أوضاع المساجد التابعة للأوقاف، للوقوف على حالة مبانيها وتحديد الصيانة اللازمة لها، ومتابعة أعمال الصيانة.
خدمة المجتمع
كذلك لا بد للأوقاف الإسلامية أن يكون لها دور قوي في مشروعات خدمة المجتمع مثل دعم الأسر المحتاجة وإقامة المراكز المهنية والحرفية الإنتاجية، وشراء وحدة متنقلة للتبرع بالدم تحت إشراف مؤسسة طبية وكفالة ورعاية المرضى ومساعدة الفقراء والمحتاجين والمساهمة في سد احتياجات المنكوبين وضحايا الكوارث.
كما أقترح ضرورة الاهتمام ببناء المساجد وترميمها وتنظيفها وتحسين أوضاع القائمين عليها وإحياء رسالة المسجد حتى يعود إلى سابق عهده، مركز هداية وإشعاع، ورفع مستوى أئمة المساجد وتحسين أوضاعهم المالية والمعنوية، والارتقاء بمستواهم الثقافي والعلمي وتأهيلهم للقيام بواجبهم بمهمتهم الجليلة في توعية وتوجيه المجتمع، وإنشاء مساجد جديدة في المناطق والأحياء التي تحتاج لذلك، واعتبار المسجد عنصرا أساسيا وضروريا المساجد ومرافقها.
ولكن كيف يحقق الوقف مبدأ التكافل الاجتماعي داخل المجتمع الواحد.. يشرح الدكتور مرسي صبري ذلك بقوله: إن الوقف يحقق مبدأ تكافل المجتمع وإيجاد عنصر التوازن بين الأغنياء والفقراء، ويضمن الوقف بقاء المال وحمايته ودوام الانتفاع منه، ويوفر سبل التنمية علميا وعمليا بمفهوم تكاملي شامل.
فمن مظاهر التكافل الاجتماعي التي يحققها الوقف، الوقف على المحتاجين والمعوزين. وقد أسهم الوقف الخيري في سد حاجة هؤلاء، حيث عمل على تخفيف معاناتهم، وتأمين حياة كريمة لهم ولقد تجلت مظاهر الوقف الخيري على أولئك المعدمين في عدة صور، منها:
1 – وقف الرباطات والخانات: وقد أسهمت إلى حد بعيد في تأمين إقامة وبيت لمن لا مأوى له، لا سيما أبناء السبيل الذين انقطعت بهم السبل ولا مأوى لهم.
2 – وقف القايات والمطاعم: ويهدف مثل هذا الوقف إلى تأمين المأكل والمشرب لأولئك المعوزين الذين لا يملكون من المال ما يدفع عنهم ضرر الجوع والعطش، ومن أمثلتها: تكية السلطان سليم، والشيخ محي الدين بدمشق، وتكية الحرم الإبراهيمي بالخليل.
3 – صرف مبالغ مالية ومساعدات عينية: ومصدر هذه الأموال من تلك الأوقاف التي استغلت واستثمرت حتى أصبح لها ريع ينفق على الفقراء والمساكين، وهذا النوع من المساعدة الوقفية يهدف إلى تأمين دخل دوري وثابت لأولئك المعوزين أو العاجزين.
أيضا، تنوعت خدمات الوقف لدور التعليم والمتعلمين، حيث كفلت للمعلمين والمتعلمين شئون التعليم والإقامة والطعام والعلاج، بل وتأمين أماكن إقامة يأوي إليها المسافرون لطلب العلم.