ربما تعود أهمية هذا الكتاب الصادر بعنوان " قيم العمل الأهلي في مصر " في إطار مشروع التراث والتغيير الإجتماعي الذي يتم من خلال مركز البحوث والدراسات الإجتماعية بجامعة القاهرة إلى أن مؤلفه خالد عبد الفتاح عبد الله قد نجح في أن يجعل القاري على وعي ودراية بأشكال العمل التطوعي المؤسسي التي شهدها المجتمع المصري على مدار تاريخه ، وذلك متمثله في مؤسسات نظام الوقف والطرق الصوفية وطوائف الحرف والتي ما زال بعضها مستمرا وموجودا إلى الآن إضافة إلى استعراضه لتطور التشريعات المنظمة للعمل التطوعي في مصر ، تلك التي شكلت من خلالها الدولة المصرية علاقتها مع الهيئات والمؤسسات التطوعية عبر مجموعة من القوانين التي بدأت بأول تشريع خاص بالجمعيات وهو القانون رقم 49 لسنة 1949 وتوالت القوانين " 66 لعام 1951 ، 384 لعام 1956 ،32 لعام 1964 ، 153 لعام 1999 " والذي تم إسقاطه لعدم دستوريته بعد أقل من عام على تطبيقه وأخيرا القانون المعمول به الآن رقم 84 لعام 2002 .
مفهوم المجتمع
في الفصل الأول يتحدث الكاتب عن مفهوم المجتمع المصري ويبرز أطره المتمثلة في وجود حرية فردية تنطوي على الملكية والعقد الاجتماعي بين الأفراد وسيادة القانون مع وجود فصل للسلطات .
ثم يأتي لمفهوم التطوع والذي ينطوي مفهومه على فلسفة تشجيع الأفراد على تقديم خدماتهم دون مقابل سعيا لأهداف خيرة وهي تنظيمات تعاونية ومساعدة ذاتية وخدمية يضع المتطوعين فيه جهدهم وعرقهم في سبيل الآخرين بهدف تحسين ظروف الحياة المادية والمعنوية لمجتمعهم وبض قطاعاته البشرية بشرط أن يقدم المتطوع خدمته بإرادته الحرة.
أما الفصل الثاني فيرى المؤلف ضرورة البحث عن دوافع التطوع واتجاهات المتطوعين وقيمهم وتطوع الفئات الاجتماعية كالمراهقين وكبار السن والمرأة والطلاب والمهنيون ، كما يهتم بجزئية دوافع التطوع والتي أكدت الدراسات والأبحاث التي تمت إلى الخلفية الاجتماعية كالتعليم والشخصية والمتغيرات الموقفية كانت له السبب في تحديد دوافع ورغبات التطوع ، أما عن اتجاهات المتطوعين أنفسهم والذي بدأ البحث مع بداية تسعينات القرن الماضي وأشارت إلى وجود علاقة طردية بين التكييف والنمو والتغيير مع النظم الاجتماعية وإقبال المتطوعين وعلاقة ذلك بقيمة التطوع ولذلك فلم يكن مستغربا أن يكون لتباين القيم الجوهرية بين المتطوعين والمديرين "رؤسائهم" أثره السلبي على نجاح المؤسسة التطوعية ، كما ناقش الباحث مشكلة التطوع من منظور الواقع المصري حيث أكد على انخفاض دراسة العمل التطوعي والمتطوعين من جانب العلم الاجتماعية والتي كانت كحور اهتمامها على المؤسسات التطوعية فقط وإهمال جانب المتطوعين وإبرازهم .
أما الفصل الثالث فقد أبرز المؤلف تفسيرا للعمل التطوعي حيث ناقش العمل التطوعي من المنظور الوظيفي ووصل إلى أن المتطوع يقوم ببعض الوظائف الهامة منها ظاهرة كالتي يؤديها للمجتمع ومنها كامنة والتي يحتاج البعض جهدا لمعرفتها ومنها وظيفة قيمية والتي يتيحها التطوع للمتطوعين للتعبير عن قيمهم الإنسانية ، ومنها اجتماعية وهي تعبيره وعلاقاته مع الآخرين عبر التطوع أو مهنية وتتركز على الفوائد المرتبطة بالمساعدات وكذلك وقائية خاصة بحماية الذات .
وجاء الدور لمناقشة موضوع التطوع من مدخله النقدي خاصة عند الفلاسفة القدامى كالماركسية مثل جرامش وتعرض للمؤسسات التطوعية ودورها الإمبريالية ومؤسسات التمويل الدولية ومع الوقت أصبحت المنظمات التطوعية غير الحكومية جزأ لا يتجزأ من عمل الحكومات والمؤسسات المالية الكبرى .
ويؤكد على علاقة المنظمات غير الحكومية بالليبرالية الجديدة وبنية هذه المنظمات وأيدلوجياتها ضد الحركات السياسية واجتماعية الراديكالية .
وبوجه عام ، فقد حاول الكاتب من خلال تناوله للمدخل النقدي للعمل التطوعي التأكيد على أوضاع ودور المؤسسات التطوعية داخل المجتمعات الرأسمالية الغربية ودور هذه المؤسسات وعلاقتها بالإمبريالية والليبرالية الجديدة والأشكال الجديدة من الأستعمار خاصة التعافي منه والدور الاقتصادي الذي تلعبه المؤسسات التطوعية رغم أنه ليست ربحية .
العمل التطوعي في مصر
وفي الفصل الرابع حاول الكاتب تخصيص جزء خاص للحديث عن العمل التطوعي في مصر تحديدا متناولا جزءاً تاريخياً للعمل التطوعي منذ القدم ومروا بملامح هذا العمل ومؤسساته تاريخيا والتشريعات المنظمة له .
فمن ناحية ملامح المؤسسة التطوعية التقليدية يؤكد على عمق العمل التطوعي منذ زمن بعيد وأنها استجابت للكثير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية خاصة الفقر والبطالة وان 33 % من الجمعيات استمرت في الاهتمام بالعمل الخيري بشكل تقليدي من خلال المساعدات المالية الفقراء .
وكان لتأثير العامل الخارجي المتمثل في تأثير المنظمات الدولية المانحة وكانت الأموال سببا في زيادة عدد المنظمات التطوعية منتصف التسعينات وقد تطورت التشريعات المنظمة للعمل التطوعي في مصر .
وأوضح المؤلف أن الدولة المصرية تبنت في علاقتها مع المنظمات التطوعية من خلال هذه القوانين استراتيجية للدمج الوظيفي والتنظيمي في التعامل مع الجمعيات الأهلية باعتبارها احدي أدوات تنفيذ السياسة العامة للدولة ، ورغم ذلك فقد تراوحت المساحة المتاحة لحركة الجمعيات في هذة التشريعات من مرحلة لأخرى في تاريخ هذه العلاقة ، فقبل عام 1952 اكتسبت الجمعيات الأهلية حيزا كبيرا مكنها من الاستفادة إلى مبادرتها وتنشيط آلياتها ودورها في المجتمع رغم التدخل الإشرافي والرقابي من قبل الدولة ، أما بعد ثورة يوليو فقد شهدت هذه الفترة تذبذبا في نمو الجمعيات الأهلية حتى الستينات .
ولقد نص القانون 384 لسنة 1956 على إلغاء المواد من 54 إلى 80 والتي تضمنها القانون المدني بشان الجمعيات الأهلية وفرض القرار الجمهوري حل هذه التنظيمات جميعها وتعديل نصوصها وحظر اشتراك الأشخاص المحرومين من مباشرة حقوقهم السياسية في تأسيس أو عضوية أي جمعية واتجه القرار نحو اعتبار أية مخالفة لنصوصه جريمة تخضع لقانون العقوبات ، وبهذا فهى أول سابقة من نوعها إخضاع نوع من الأنشطة المدنية ، أو الأشخاص الاعتباريين التي نص عليها القانون المدني لقاعدة التجريم العقابي واعتبار مخالفات تلك الجمعيات جرائم تخضع لما تخضع له الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات وشدد من عقوبات الحبس لأعضائها .
ويتأمل المؤلف مضمون هذه القوانين الصادرة مفسرا ريبة الدولة وخوفها من جانب الجمعيات الأهلية والتي تمثل فيما تضمنه من نصوص : ففي مرحلة التوجه الاشتراكي وإلغاء الأحزاب تضمن القانون 32 لسنة 1964 فيما يتعلق بعمل المتطوعين تجريم سماح أي مسئول بالهيئات التطوعية الخاصة لأي عضو غير مسجل بالمشاركة في الإدارة أو في مداولات الجمعية والعقاب علي ذلك بالسجن حتى ستة أشهر . وهو بذلك يقيد انضمام بعض المتطوعين غير الدائمين الذين يمكن الاستعانة بهم لأداء مهام معينة ، إضافة إلي ذلك فقد عدد المحللون مثالب هذا القانون وسلبياته في تكريس البيروقراطية في حركة الجمعيات الأهلية ، ووضع شروطا عديدة على تدبير التمويل الداخلي أو القومي ، ووضع عقوبة صارمة لانتهاك أي من هذه الشروط .
هذا فضلا عن عدم السماح بقبول أية هبات أو منح من أي شخص أو هيئة أجنبية دون الحصول على تصريح مسبق من السلطات التنفيذية ، وقد أدى ذلك إلى الحد من الموارد التطوعية المتاحة للهيئات التطوعية في مصر .
وبعد ذلك حاولت الدولة إصدار التشريع رقم 153 لسنة 1999 والذي تم إلغائه فيما بعد " ويستعرض المؤلف بعض ملامح هذا القانون ومنها استبعاد الجمعيات التي تمارس أنشطة سياسية أو نقابية بخلاف ما يحدده الدستور من أعمال محظورة على الجمعيات ، كما جعل هذا القانون من الجهة الإدارية "وزارة الشئون الإجتماعية " سلطة فوق سلطة الجمعية العمومية حيث يعطيها حق الاعتراض على بعض الأوجه التنظيمية للجمعية .
إلى جانب ذلك فقد أفرط هذا القانون في التجريم والعقاب فجمع التبرعات بدون ترخيص مسبق من جهة الإدارة مثلا تستوجب حل الجمعية قضائيا .
أما القانون المعمول به حاليا وهو القانون 84 لسنة 2002 فيجمل في مضمونه القليل من الإيجابيات والكثير من السلبيات فمن ايجابياته فتح أبواب النشاط أمام الجمعيات الأهلية وعدم النص على ميادين محددة وهو بذلك فتح الباب أمام أنشطة تم تقييدها فيما سبق مثل أنشطة الدعوة إلى الرأي والمناصرة "حقوق الإنسان والمرآة" فضلا عن ذلك يتضمن القانون ما يشجع على ممارسة الديمقراطية داخل الجمعيات .
آليات العمل التطوعي
وفي الفصل الخامس ناقش المؤلف آليات ودوافع وقضايا العمل التطوعي في المجتمع المصري من خلال الخصائص الاجتماعية والذي أكدت على ارتفاع نسبة الإناث بين المتطوعين والتي وصلت إلى 41.7% بينما وصل مشاركة الذكور 58.3%
كما أكدت الدارسات أن أغلب المتطوعين يعلمون بأجر لدى الغير ونسبتهم 68.7% منهم 17% لا يعملون بسبب السن أو المعاش وان هناك ارتفاعا للمستوى الاقتصادي للمتطوعين عاملا أساسيا في انخراطهم في مثل هذه النوعية من الأعمال .
وعن توزيع المنظمات التي ترعى الأنشطة التطوعية تؤكد احدي الدراسات أن المنظمات الدينية هي الأكثر اهتماما بالأنشطة التطوعية من خلال المسجد والكنيسة وترعى ثلث الأنشطة في الريف مقابل 9.1% في الحضر بالإضافة لنوع ثالث من المنظمات التي ترعى الأنشطة التطوعية في الريف وهي المنظمات الحكومية في الوزارات كالتربية والتعليم والشباب والرياضة وترى 12.6% من إجمالي الأنشطة في الريف ، 7.9% في الحضر .
وعن المشاركة التطوعية للجماعات الاجتماعية يتحدث المؤلف فصله السادس في الكتاب عن مشاركة المرآة والذي يرى علاقة بين خروجها للعمل وانخراطها في العمل التطوعي بالإضافة لارتباط التنشئة الاجتماعية والسياسية بين أغلب المتطوعات وظروف تربيتهم داخل أسرهم ودورهم الإيجابي في دفع المتطوعات للتطوع والذي وصل في إحدى الإحصائيات إلى 88.8% وهناك 83.4% من المتطوعات كان موقف أسرهم ايجابيا بالشكل الذي ساهم في إقناع الآخرين بالانضمام إليهم .
أما على نطاق الشباب فنجد وجود علاقة بين خروج الشباب للعمل وانخراطه في العمل التطوعي بالإضافة لوجود علاقة بين أنشطتهم التطوعية ومرورهم بتجربة أو تنشئة اجتماعية وسياسية من خلال مشاركه الأسرة في المجتمع .
ويؤكد الكاتب أن هناك انتشارا بثقافة الاهتمام بالتطوع وتقدير قيمته بين غالبية أسر شباب المتطوعين ، أما عن آليات تطوع الشباب فهي متعددة وتشمل المصادر والأصدقاء والمؤسسات الأهلية والتطوعية والأقارب .
ويدخل الكاتب إلي الفصل السابع والخير إلى جزئية مهمة للغاية تحتوي على عناصر الثقافة المدنية للمتطوعين ونوعيتها من خلال تعدد هذه المصادر خاصة المشاركة والغيرية والثقة والتسامح ويحدد قيمة المشاركة أي تفاعل الفرد عقليا وانفعاليا في موقف الجماعة بطريقة تشجعه على المساهمة في تحقيق أهداف الجماعة والمشاركة في تحمل المسئولية وتشكيل نظام الحكم خاصة الديمقراطي .
وتشير الدراسات إلى ثبات مستوى المشاركة السياسية عند مستوى متوسط تؤكد اهتمام نسبة كبيرة تصل لــ40% بقيمة المشاركة السياسية ، ورغم وجود معوقات مؤسسية تواجه زيادة حجم المشاركة السياسية فهناك بُعد ثقافي يرتبط بطبيعة الثقافة المصرية السلطوية .
وينتهي المؤلف بالتأكيد على أن قيمة المشاركة التي تتضح من الممارسات السياسية للمتطوعين تظل عند المستوى المتوسط مما يشير إلى ضعف قيمة المشاركة لديهم .
وخلاصة القول أنه على الرغم من زيادة الاهتمام بالمؤسسات التطوعية ومنظمات المجتمع المدني والتأكيد على دورها كاستراتيجية للدولة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية ، فإن هذا الدور يظل ضعيفا ومحدودا للغاية طالما استمرت القيود القانونية المفروضة على عمل هذه المؤسسات بشكل عام وعلى الممارسات التطوعية بشكل خاض كما يزيد من ضعف ومحدودية هذا الدور ضعف الثقافة المدنية بشكل عام وثقافة التطوع بشكل خاص في المجتمع رغم الخبرة والتاريخ الطويل للمؤسسات التطوعية في المجتمع المصري .
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72918
