في بحثه الهام عن واقع التنمية الاجتماعية في فلسطين ، يحاول د.عبد الله أحمد الحوراني الباحث الفلسطيني طرح المحاور الأساسية المكونة للتنمية في فلسطين ، وهو بذلك لا يقوم بمجرد رصد لهذا الواقع بقدر ما يسعى الى تشريح عناصرها داخل المجتمع الفلسطيني و ملامح تطورها وجوانب النقص فيها وتقييم التجربة التنموية بالكامل داخل هذا البلد الذي يعاني أبناؤه من بطش الاحتلال وتقطيع أوصال عناصر المجتمع .
يقول الباحث :
ورثت السلطة الوطنية الفلسطينية واقعاً اجتماعياً هشاً، خاصة في قطاع الخدمات الاجتماعية، إضافة إلى الواقع الاقتصادي السيئ، مع البنية التحتية المدمّرة، والانتشار الواسع للفقر والبطالة، والنقص الكبير في المرافق والخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن الأزمة السكانية نتيجة القيود الاحتلالية على البناء، حيث أبقى الاحتلال على مستوى الخدمات ذاتها التي كانت قائمة قبل عام 67 في ظل الإدارة الأردنية للضفة الغربية، وفي ظل الإدارة المصرية لقطاع غزة على الرغم من الزيادة الكبيرة في عدد السكان..
بدأت السلطة الوطنية الفلسطينية منذ استلامها للصلاحيات الاجتماعية في 15/10/94 من الإدارة المدنية الاحتلالية بالعمل وبالتعاون مع المؤسسات والهيئات الأهلية، التي تعمل في المجال الاجتماعي، وخاصة وكالة الغوث الدولية، والمؤسسات والجمعيات الأهلية، ومؤسسات القطاع الخاص، حيث أن هذه المؤسسات والهيئات قد سبقت السلطة، وكان لها دور ظاهر وحيوي على صعيد تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين الفلسطينيين خلال وجود الاحتلال، وما زالت تقدم خدماتها بالتعاون مع مؤسسات السلطة الوطنية.
فعلى المستوى الحالي والمستقبلي تمثل القوى البشرية العنصر الأساسي للمؤسسات العامة والخاصة، وإدارتها عامل رئيسي من عوامل نجاحها، فقد تجلت قدرتها على تجميع وتنظيم طاقات الأفراد، وإمكاناتهم المادية والفكرية والعلمية لتصب في مجال الخدمات المختلفة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على أهمية اتصالها بالجماعات، وطرحها الأفكار الجديدة، وتطوير أساليب العمل، وتقديم الخدمات المطلوبة بصورة أفضل، حيث تضع الأسس السليمة لإدارة القوى البشرية كممارسة ونشاط، وهي عبارة عن مجموعة وظائف وأنشطة وبرامج، تتعلق بتصريف شؤون القوى البشرية، وتنظيم المجتمع، ودفعهم إلى العمل، من خلال تنمية الموارد البشرية..
إن أهم أولوياتنا الاهتمام بالقضاء على الفقر، إذ يعتبر القضاء عليه من المهام الملقاة على عاتق الفرد والجماعة والدولة، إذ هو واجب مرتبط بمفهوم التكافل الاجتماعي، بالرغم من تشابه أسبابه في جميع مناطق العالم، والتي يمكن ردها إلى الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، وعجز التنمية المعتمدة على أنماط غير مناسبة من الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في معالجة هذه الاختلالات بشكل جذري..
لقد تحققت بعض الجهود المتفرقة في تقليص حجم انتشار الفقر ومعالجة أسبابه، لكنها ما زالت بعيدة عن تحقيق أهداف التنمية الاجتماعية، فالموارد الإنتاجية كالائتمان والأراضي والتكنولوجيا والخدمات العامة الأساسية والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، ليست بمتناول الفئات الأشد فقراً في فلسطين، فالآليات التي من شأنها أن تكفل حماية المستهلك غير موجودة..
لقد بدأت السلطة بوضع خطة شاملة لإقرار سياسات واستراتيجيات مكافحة الفقر على المستوى الوطني، بمشاركة المؤسسات والهيئات الأهلية، على المستوى القطاعي تشارك فيه جميع الوزارات المعنية، ومستوى مناطقي يخص كل محافظة، وبمشاركة الفقراء أنفسهم في صياغة هذه السياسات والاستراتيجيات لتحديد مشكلاتهم واحتياجاتهم وأولوياتهم المختلفة، وذلك من خلال عدة برامج ومشاريع، مثل مشروع التدريب المهني، ومشروع إقامة المدن الصناعية والمناطق الحرة، بالإضافة إلى المشاريع الإقراضية لقطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة..
على الصعيد الزراعي تم إقرار خطة ثلاثية للتنمية تستهدف تعزيز القدرات في المجالات الزراعية المختلفة، وخاصة بناء وإعادة تأهيل البنية التحتية للقطاع الزراعي، وزيادة المساحة المزروعة، وتوفير فرص عمل والاهتمام بالمراعي والغابات وإعادة تأهيلها، كما تستهدف الخطة الاهتمام بالتنمية الريفية، وتنفيذ مشاريع الحصاد المائي، وتنمية وترويج المحاصيل الزراعية التصديرية، وتطوير قاعدة بيانات وإنشاء بنك للائتمانات الزراعية..
أما على صعيد البرامج والمشاريع الاجتماعية، يتم تنفيذ برامج موجهة للأسر المعدمة، والتي تعيش في حالة فقر شديد، وتم إعداد خطة صحية شاملة لإعادة تجهيز المستشفيات وتوسيعها، وفتح عيادات صحية في القرى والريف، وكذلك تم إعداد خطة تعليمية لفتح مدارس جديدة، واستحداث فصول جديدة وتطوير للوسائل والبرامج التعليمية، وعلى صعيد البرامج المتعلقة بالشباب والمرأة، تمت المساهمة في تأهيل الشباب والنساء في صدد وضع خطة واستراتيجية شاملة لذلك..
الدمج الاجتماعي
تحرص المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على أساسيات الدمج الاجتماعي على جميع المستويات، وخاصة دمج آلاف الأسرى المحررين من سجون الاحتلال، وكذلك الدمج الاجتماعي للمهجرين من قراهم ومدنهم المحتلة، علماً بأن جوهر مشكلتهم سياسي يتعلق بالعودة، وحق العودة، وحق تقرير المصير، وتشارك السلطة وكالة غوث اللاجئين الدولية في تقديم الخدمات الاجتماعية والصحية لهم، وتقوم بتنفيذ بعض المشاريع التنموية الصغيرة..
إن أهم المعيقات التي تواجه العاملين في مجالات التنمية الاجتماعي، سواء على المستوى الرسمي الحكومي أو على المستوى الأهلي غير الحكومي والمستوى الخاص، التفاوت في مستويات تطوير المناطق المختلفة في فلسطين، وتقديرات نسب الفقر العالية في بعضها، وازدياد أعداد الأغنياء الحاليين (القدامى والجدد) ومحدودية تكافؤ الفرص، وإشكاليات حقوق الإنسان خاصة الاعتقالات السياسية على خلفية الرأي وتجاوزات بعض الأجهزة الأمنية لحقوق الإنسان..
إن أهم ما يلاحظ في المناطق الفلسطينية ازدياد أعداد المسنين فوق 60 سنة، والذين هم بحاجة إلى رعاية اجتماعية وصحية، وتوفير أنظمة حماية اجتماعية لهم، ومؤسسات لرعايتهم، وكذلك بالنسبة للطفولة، فقد تشكلت لجنة وطنية للطفل الفلسطيني، ومجلس أعلى للأمومة والطفولة، والعديد من المؤسسات الأهلية المهتمة بقضايا الطفولة، إلا أن الطفولة في فلسطين بحاجة إلى مضاعفة الجهود لتلبية احتياجاتهم، وتطوير واقعهم، خاصة على صعيد عمالة الأطفال، والتفكك الأسري، وتحديد سن الزواج، ومحاربة ظاهرة الزواج المبكر، والمعاناة التي تعانيها المرأة الفلسطينية من التمييز واللامساواة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية..
إن محدودية العلاقة وقلة التنسيق والتعاون بين المؤسسات العاملة في مجالات التنمية الاجتماعية له أكبر الأثر دون بلورة رؤية موحدة شاملة، رغم وجود لقاءات دورية وتنسيق خجول بين القطاعات الاجتماعية العاملة في مجال التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وغيرها، فإنه لا وجود لأسس واضحة تشكل مضمون هذا التعاون لكي يطبق على طبيعة العلاقة بين الوزارات نفسها والمؤسسات الأهلية، فقد ظهر الضعف في تحديد احتياجات وأولويات التنمية بشكل عام دون إشراك المجتمعات المحلية، الأمر الذي يتعارض مع الاحتياجات الفعلية للسكان، ويتعارض مع التنمية بالمشاركة، وغياب رؤية سياسية اجتماعية واضحة، وضعف مبادئ الشفافية والمحاسبة والمساءلة، رغم صدور عدد من القوانين في مجالات الخدمة المدنية، قانون المجالس المحلية، وقانون التعليم العالي، وقانون ذوي الاحتياجات الخاصة، وقانون الجمعيات الخيرية والمؤسسات الأهلية، ومما أعاق التنمية الاجتماعية ضعف مقومات ومبادئ الحكم السليم من بعض الجهات، رسمية وغير رسمية، والبيروقراطية، وضعف الإدارة الفعالة للبرامج والمشاريع التنموية..
لقد تميز العمل التنموي باعتماده على مبادرات منظمات المجتمع المدني، وتميزت منظمات المجتمع المدني بتناقضها مع الحكومات القائمة، قبل مجيء السلطة الوطنية الفلسطينية، على مستوى الأهداف والسياسات وطرق العمل، حيث كان هدفها إحداث تنمية تساهم في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وتحقيق مستوى معيشي لائق للفلسطينيين، فقد قامت بتغطية جزء مهم من الفراغ الناتج عن الدور المحدود لسلطات الاحتلال في تقديم الخدمات الاجتماعية للسكان، وتغطية دور الاحتلال الهدّام في بعض الأحيان، مستغلة رأس مالها البشري، حيث تمثل القوى البشرية العنصر الأساسي للمؤسسات الأهلية والخاصة والعامة..
مارست منظمات المجتمع المدني دوراً قيادياً ظاهراً، حيث تجلّت قدرتها على تجميع وتنظيم طاقات الأفراد، وإمكاناتهم المادية والفكرية والعملية، لتصب في مجالات الخدمات المختلفة، السياسية والاجتماعية والصحية والاقتصادية، وأثبتت قدرتها على أهمية اتصالها بالجماعات، وطرحها الأفكار الجديدة، وتطوير أساليب العمل، وتقديم الخدمات المطلوبة بصورة أفضل، وباتصالها بالجماعات أكثر سرعة وأقل تكلفة بالمقارنة باتصالها بالأفراد، فقد نشأ في مجال المبادرات المدنية أجسام منظمة، على هيئة جمعيات خيرية، ومنظمات غير حكومية، ومؤسسات أكاديمية، وأخرى أخذت طابعاً أكثر جماهيرية، كالاتحادات والنقابات والأحزاب السياسية واللجان المحلية، وقد لعبت دوراً رئيساً في العملية التنموية..
منظمات "المجتمع المدني" من حيث النشاط
وصفت 39% من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني نفسها، على أنها (جمعيات خيرية)، بينما اختارت 36% منها وصف (منظمات مدنية)، و14% منها (منظمات وطنية)، و10% منها (اتحاد عام). فهي تتنوع من حيث النشاط والرؤية وبإجمال سريع يتم تقديمها كالآتي:
أ- جمعيات خيرية: هدفها التخفيف من حدة الفقر، والعوز الشديد، والحرمان والإغاثة، دون استحداث تغيير نوعي في واقع الفئات المستفيدة، وهي الأكثر عدداً، حوالي الثلث، تتجنب الأنشطة ذات البعد السياسي، وهي الأقدم من حيث النشأة..
ب- منظمات أو مؤسسات تعتمد سياسات ذات بعد تمكيني تنموي: عددها خمس المنظمات المدنية،منها 85% في المدن، تهدف إحداث تغيير في إمكانات جمهورها، وتحسين فرص حياتهم/ فهي الأحدث من حيث النشأة، ارتبط معظمها في المرحلة الأولى من نشأتها بمنظمة التحرير الفلسطينية، وفرت خدمات لم تتوفر بسبب غياب سلطة أو دولة وطنية، وبسبب سياسة الاحتلال الإسرائيلي، وحرصت معظمها على الحفاظ على استقلاليتها، وتأسيس علاقات شراكة مع مؤسسات السلطة الوطنية، وتعتبر الجامعات الفلسطينية منها من أهم روافد العملية التنموية..
ت- الأحزاب والقوى السياسية: تشكل نسبة صغيرة 1.5%، إلا أن نفوذها واسع، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 60% من البالغين يؤيدون أحد التنظيمات، أو الأحزاب السياسية القائمة، تتباين من حيث علاقاتها بالسلطة، ومن حيث برامجها السياسية والاجتماعية ومنظورها الفكري، وتطرح الفصائل والأحزاب رؤى متنوعة للتسوية السياسية، وعملية استكمال عملية التحرر الوطني، ولطبيعة النظام السياسي الفلسطيني المنشود، وعلى الصعيد الاجتماعي، هناك رؤى علمانية وأخرى دينية، ولتعددها وشرعية وحرية نشاطها أهمية بالغة، في إرساء نظام سياسي ديمقراطي، ويؤخذ عليها تراجع نشاطها وفاعليتها، في طرح البرامج والبدائل السياسية والتنموية، ولم تساهم بالشكل المطلوب، في التأثير على قانون الأحزاب، الذي لم يتم إقراره حتى الآن..
ث- الاتحادات والنقابات: تشكل 11% دون احتساب فروعها، تهدف إلى تنظيم وتعبئة قطاعات شعبية وفئات اجتماعية للدفاع عن مصالحها، وهي امتداد لمنظمة التحرير وفصائلها الرئيسة، وقد شارك التيار الإسلامي فيها في بداية التسعينات، إلا أن معظمها شهد تراجعاً ملموساً في عضويته، وضموراً في قاعدته الاجتماعية، في السنوات التي تلت الانتفاضة وقيام السلطة الوطنية، يتم انتقادها بتكريس نمط النخبوية، والابتعاد عن أسس العملية الديمقراطية، لا تعقد معظمها مؤتمراتها الشعبية منذ سنوات، ارتبط بعضها بشكل أو بآخر بمؤسسات السلطة التنفيذية، ويستثنى من هذا النمط الكتل الطلابية الجامعية المشكّلة حسب الانتماء السياسي، ويشمل الاستثناء أيضاً بعض الغرف التجارية والصناعية..
ج- منظمات حقوق مدنية: تضم مجموعة متنوعة من حيث الاهتمامات والنشاطات مثل: منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، والحريات المدنية والديمقراطية، والطفل والمرأة، والأسرى، والمعاقين.. وغيرها، ظهر عدد غير قليل منها في عقد التسعينات، تشكل نحو 5%، تتنوع علاقاتها بالسلطة من علاقات تداخليه أو تنسيقية كالأسرى والمعاقين.. الخ، وإلى علاقة ضاغطة، وإلى علاقة انتقادية أحياناً، أو تصارعية كما في حالة بعض منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة، ويؤخذ على بعضها تأثر أدائها بعملية التمويل وعدم توجهها في تقاريرها للجمهور الفلسطيني.
ح- مؤسسات الشؤون الثقافية والبحث الفني: تشكل 18%، ، فهي تضم العديد من المنتديات الثقافية المحلية، والمراكز التثقيفية العامة، إضافة إلى المراكز التي تتولى إصدار دوريات، ومراكز البحوث المتخصصة، والمراكز ذات الاهتمامات التنموية، والمراكز التابعة للجامعات، أو المستقلة، ومؤسسات تتخصص في مجال البحوث للسياسات الموجهة لصانعي القرار، ومؤسسات تركز على التدريب والتأهيل..
خ- أندية رياضية: تشكل نحو 19%، أكثر من نصفها في القرى، وثلثها في المدن، و13.5% منها في المخيمات، تعنى بتنظيم نشاطات رياضية للشباب، ما زال دورها كمؤسسات أهلية وحكومية غير واضح، فلم ترق لتصبح منافسة على المستوى العربي والدولي، لولا أن الدورات العربية التي أثبتت بأن الكرة الفلسطينية في تقدّم مستمر.
المنظمات غير الحكومية
لقد أدى إنشاء سلطة وطنية فلسطينية ولأول مرة على الأراضي الفلسطينية، إلى الحاجة لإعادة تقييم تجربة العمل الأهلي الفلسطيني، وموضعه ضمن المتغيرات السياسية والاقتصادية والقانونية، التي فرضتها تبعات اتفاقيات السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، وبشكل عام فقط تميزت العلاقة بالتعاون أحياناً والتنافس والتناقض أحياناً أخرى.
هناك من افترض أن حداثة العلاقة بين منظمات العمل الأهلي والسلطة، هي العامل الحاسم في (سوء الفهم) بين الطرفين، وقد يكون في هذا الافتراض شيء من الصحة.
لقد اعتبرت منظمات العمل الأهلي نفسها، قاعدة العمل التنموي في فلسطين، خصوصاً في ظل غياب سلطة فلسطينية رسمية، فبرغم الدعم الذي تلقته من منظمة التحرير والدول العربية والأجنبية، إلا أنها كانت موجودة على الأرض، وقامت بتنفيذ البرامج المختلفة وتقديم الخدمات، ومن الجدير ذكره أن الطبيعة السياسية التي تشكلت فيها شجعت مفهوم المشاركة الفعّالة في صنع القرار في العديد من الحالات، وفي المقابل فإن عقلية السياسي وليس التنموي، بقيت تحكم مفاهيم وطرق عمل عدد من قيادي العمل الأهلي الفلسطيني..
في الوقت الذي أصبحت فيه بعض المنظمات غير الحكومية جزءاً لا يتجزأ من مؤسسات السلطة من حيث التمويل والإدارة ونوعية البرامج، بقي العديد منها مستقلاً، مما ولّد نوع من "التنافس" وخصوصاً على التمويل الأجنبي، وقد طالبت هذه المنظمات بعلاقة قائمة على المشاركة في صياغة الخطط والسياسات العامة والتنفيذ، لذا سعى اتحاد الجمعيات الخيرية وشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، لوضع قانون عصري ينظم العلاقة مع السلطة ويحافظ على استقلاليتها، الذي صوت عليه المجلس التشريعي وأقرّه، في ظل استمرار الخلاف على مدى شرعية هذا القانون، ومدى تدخل السلطة التنفيذية في إقراره، كما تم إنشاء وزارة خاصة بالمنظمات الأهلية، لم تقم لغاية الآن بصياغة رؤية واضحة ومحددة لعملها، ولعلاقاتها بمنظمات المجتمع المدني والوزارات..
إن الدعوة إلى التنسيق والتعاون ضرورة لا بد منها، وخصوصاً في مجال استكمال عملية البناء والتنمية المستدامة، والوصول إلى منظور تنموي موحّد، ويخص هذا المفهوم بشكل كبير تلك المنظمات التي تعمل في مجالات، الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية والزراعة والتدريب المهني، علماً بأن هذا المفهوم لا ينطبق على بعض منظمات المجتمع المدني الأخرى، كمنظمات حقوق الإنسان، والأحزاب السياسية التي تعد نفسها في موقع المعارضة، أو مع هيئات أو اتحادات أو نقابات، تمثل فئات وقوى اجتماعية، وقد تتصادم مصالحها في ظروف معينة مع السلطة، أو مع القطاع الخاص، برغم اشتراكها في الهم الوطني العام.
وأمام هذا الوضع، ستجد الحكومة نفسها وبشكل جدي وعملي، شريكة فعلية مع المنظمات الأهلية وغير الحكومية، لتنفيذ برامج التنمية الوطنية لمجتمعها، فقد أصبح للمنظمات دور عالمي في بلورة استراتيجيات وسياسات عالمية، تقوم بتنفيذها، لتتصدى للعديد من المشكلات التي تواجه الإنسان في مختلف مناحي الحياة، ومع جميع فئاته وجنسه، وخاصة قضايا المرأة، والطفل، والبطالة، والفقر، والبيئة وغيرها، فقد أسهمت هذه المنظمات بشكل فاعل في مختلف الجهود الراقية للحد من مشكلات المجتمع..
فلا بد من إعداد برنامج وطني موحّد، وآلية متابعة، لتنفيذ خطة وطنية مدروسة وعملية، وإبراز دور المنظمات الأهلية في الخدمة الوطنية، وفي الجهود الراقية للنهوض بهذا المجتمع، وبمشاركتها في عملية التنمية في مختلف المجالات، ولرسم السياسات وتحديد الأهداف، والتنسيق بين الجهات العاملة في جميع المجالات، كل هذا يصب في مجال المساهمة في عملية البناء الاجتماعي على جميع الصعد.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72928
