إنما المؤمنون إخوة.. هكذا علمنا الخالق سبحانه وتعالي في كتابه الكريم.. ومثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمي كما قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.. ومن ثم, كان التكافل الاجتماعي أحد الأسس الرئيسية للمجتمع الإسلامي بل إنه دليل علي الإيمان, وهو أعلي منزلة ومكانة..
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي تقوم به الجمعيات الأهلية الخيرية.. ولكن الواقع يشير إلي أنه بالرغم من أن هناك22 ألف جمعية خيرية مسجلة في مصر فإن المسموح لها بجمع التبرعات لا يتجاوز22 جمعية فقط بمعدل واحد في الألف.. مما يجعل الأغلبية العظمي من هذه الجمعيات تعاني في تدبير مواردها المالية, فأكثرها يتلقي الدعم الحكومي من وزارة التضامن الاجتماعي, وبعضها يتلقي مساعدات مباشرة وغير مباشرة من جهات ومؤسسات محلية وأجنبية ولماذا لا يتم السماح للجمعيات بجمع التبرعات خاصة أن الخدمات التي تقوم بها تعود علي المجتمع المحيط- بها وبالتالي سيتبرع القادرون, لصالح غير القادرين وذلك كما يقول النبي صلي الله عليه وسلم الخير في وفي أمتي إلي يوم القيامة.
إنسان أون لاين .نت حاورت عددا من رجالات العمل الخيري في مصر بحثا عن إجابة على هذه التساؤلات …
أول الاتهامات الموجهة إلي الجمعيات الخيرية الإسلامية, هو التمويل.. فما هي مصادره؟ وهل تقبل هذه الجمعيات التبرعات الخارجية ؟
د. محمد المختار المهدي: أتحدي أن يكون هناك اتهام للجمعية الشرعية بأنها تتقاضي مليما واحدا من خارج مصر.. وكل اجهزة الدولة تعلم ذلك.. والتمويل الذي يأتينا قد يزيد علي ما نحتاج اليه, وكثيرا ما تأتي لنا هبات, ونردها لأننا لانستطيع أن نوظفها في المصارف التي حددتها الجمعية.. ومن هنا فليست عندنا أي مشكلة تتعلق بالتمويل, الذي مصدره الوحيد هو المصريون أنفسهم, فثمة تبرعات من رجال الأعمال, وأخري من المواطنين أنفسهم ومنهم غير القادرين, فنحن مثلا نستهدف من وراء كفالة اليتيم أن يشترك حتي الفقير في أن يعطي كما يعطي الغني.. ولذلك جعلنا الكفالة صغيرة, حتي يتحملها أصحاب الدخول المحدودة, فكانت في باديء الأمر10 جنيهات, ثم أصبحت20 جنيها.. وعندنا الآن530 ألف طفل يتيم, في أنحاء الجمهورية, تكفلهم الجمعية.
هذا جانب واحد من مصادر التمويل معروفة المصدر ـ ويوجد تمويل آخر, يتمثل فيما يعرف شرعا بـ فروض الكفاية, التي إذا قام بها البعض سقط الاثم عن الباقين.. وليست فقط مصادر تمويلنا هي المعروفة, بل أيضا المشروعات التي ننفق فيها مواردنا ومن أهمها بناء المستشفيات التي تخدم الفقراء والمرضي غير القادرين.. فبدلا من أن نعطي للمريض مالا, نبني له مستشفي يعالج فيه مجانا, وذلك مثل مركز الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي, الذي تكلف في بدايته25 مليون جنيه وافتتحه محافظ القاهرة وقتذاك قائلا: لقد نقلتمونا إلي أمريكا لأن هذا المركز علي أحدث مستوي.. ويعالج فيه كل المرضي غير القادرين بالمجان دون تفرقة بين قبطي ومسلم.. وفي هذه المشروعات الكبيرة التي تقوم بها الجمعية, فإن المتبرع نفسه أو أحدا من رجاله, هو الذي يقوم بالبناء أو الاشراف عليه.
مصادر متعددة
اللواء ممدوح شعبان مدير جمعية دار الاورمان يقول مصادر تمويلنا متعددة, وتصل إلي عشرات الملايين من الجنيهات في السنة, وكلها تبرعات أهل خير مصر.. فمصر كلها خير.. تراب مصر كله خير.. وأؤكد أننا لا نحصل علي تبرعات من منظمات داخلية أو خارجية أو حكومية أو شبه حكومية.. من الأفراد فقط لا غير.. رجال أعمال وأناس بسطاء يحبون فعل الخير.
ولأنني زرت جميع المحافظات, وقابلت السادة المحافظين, فإنني أجزم بأن المعونات الخارجية لا تعود بالنفع علي الفقراء والمحتاجين, ولكنها تعود بالنفع علي أشياء أخري, مثل: التدريب الداخلي, والتدريب الخارجي, وغيرهما من أوجه التدريب المختلفة. إن مجتمعنا من الفقراء والمحتاجين حاجته الأساسية ما يسد الرمق.. إلي ماكينة الخياطة والمشغل, فلماذا أصرف نصف الميزانية علي التدريب, في مجتمع تقوم فتاة واحدة أو سيدة ذات خبرة بتدريب الأخريات, دون أن نكبد أنفسنا مصاريف نحن في غني عنها, والفقراء أولي بها؟!
د. شريف عبدالعظيم رئيس مجلس ادارة جمعية رسالة : بالنسبة لجمعية رسالة, فقد تم إشهارها في مايو2000, أي أن عمرها حوالي6 سنوات, وتعتمد الجمعية علي التبرعات الداخلية فقط, من الجمهور العادي.. الناس البسطاء.. الطلاب.. حتي أنه لا يوجد عندنا رجل أعمال تبرع بالملايين, كما في بعض الجمعيات الأخري.. كما أن الحصول علي تبرعات خارجية يلزمه الحصول علي تصريح أو إذن من الدولة بذلك.. فمثلا: وردت إلينا رسالة بطاطين من إحدي الدول العربية, فوجدنا الأجهزة الأمنية تتصل بنا, ودخلنا في س, و.. ج, ومن ثم فقد رفضنا أي تبرعات خارجية.
أقدم جمعية
المستشار حامد عبدالدايم مدير جمعية المساعي المشكورة فيقول :
جمعية المساعي المشكورة, فإنها ـ كما هو معلوم ـ أقدم جمعية خيرية إسلامية, أنشئت عام1892, بغرض القيام علي خدمة التعليم في محافظة المنوفية, فأنشأت مدرسة ابتدائية للبنات بشبين الكوم, عام1899, وهي المدرسة الثانية علي مستوي القطر المصري بعد المدرسة السنية التي أنشأها الخديو إسماعيل.. كما أنشأت الجمعية مدرسة ابتدائية في عاصمة كل مركز من مراكز المحافظة.. وتم ضم هذه المدارس إلي وزارة المعارف سنة1956.. وبعد ذلك انكمش نشاط الجمعية..
وعن مصادر التمويل, فللجمعية ملك خاص مساحته100 فدان, تقوم بإيجارها بإيجار المثل ويبلغ ريعها240 ألف جنيه سنويا, في حين أن الأرض التي تنظرت عليها وزارة الأوقاف يكون إيجارها40 مثل الضريبة!!
وقانونا فإن ريع الوقف حق للمستحق, وليس لناظر الوقف.. ويسأل ناظر الوقف عن حسن إدارته.. ويسأل ناظر الوقف مسئولية الوكيل, والوكيل يمثل الأصيل في ممارسته واجتهاده.
كما يوجد لدي الجمعية حساب جار, وحساب استثماري( شهادات استثمار ذات عائد شهري) باسم الجمعية, تبلغ قيمتها6 ملايين جنيه, تدر عائدا كبيرا سنويا.
ولدي الجمعية أيضا مجمع سكني(56 شقة) في شبين الكوم, كانت الشقة فيه تؤجر بـ4 أو5 جنيهات, فقمنا ببيع20 شقة منها بمبلغ20 ألف جنيه للشقة.
د. محمد ماضي أبو العزايم رئيس جمعية ابو العزايم الاجتماعية يقول : الجمعيات الخيرية الإسلامية في مصر, لاتحصل علي تبرعات خارجية.. لماذا؟ لأن الخارج له توجهات أو رؤي, تختلف مع الأهداف التي قامت من أجلها هذه الجمعيات.. والمطلوب هو تطوير التمويل الذاتي, حتي نفعل دور الجمعيات الخيرية الاسلامية, ومن ثم لاتصبح لدي هذه الجمعيات أدني حاجة للتفكير في البحث عن مصدر تمويل خارجي, وحتي تتلاءم حركة هذه الجمعيات مع حركة المجتمع وتطوره.. حيث أشار تقرير التنمية البشرية إلي أن20% من السكان يعانون من فقر الدخل, و33% فقر القدرة, وبالتالي فمعظم الاسر الفقيرة تعيش من الدخول غير المباشرة التي تأتي من الجمعيات الخيرية الاسلامية والأفراد والمتطوعين.
الوقف بديلا
ولماذا لم تفكر الجمعيات الخيرية في اعادة نظام الوقف ليكون بديلا للتبرعات الخارجية ؟
د. محمد المختار المهدي: نقوم ببحث تقديم طلب للدولة, بأن تقوم الجمعية الشرعية بقبول الوقف, حيث إن بعض أهل الخير يريدون وقف ممتلكات لهم أو أموال, خاصة بعد وفاتهم.. ولكن هل يجوز هذا من الناحية القانونية ؟
المستشار حامد عبد الدايم: يمكنهم ذلك علي سبيل الهبة, والنص يكون كالتالي: وهبت الرقبة, واحتفظت بحق الانتفاع مدي حياتي حتي أموت.
وعلي الدولة أن تأخذ بتوصيات المؤتمر الأول للجمعيات الخيرية, والذي حضرته السيدة سوزان مبارك قرينة رئيس الجمهورية, ومن أهم هذه التوصيات: علي وزارة الأوقاف أن تعيد ريع الأوقاف الخيرية إلي الجمعيات الموقوفة عليها.. كما يجب علي الدولة أيضا تعديل القوانين الحالية التي صدت الناس عن الإقدام علي وقف الممتلكات للأعمال الخيرية.
كما أن الإخلال بمبدأ شرط الواقف كنص الشارع, ومنح وزير الأوقاف حق تغيير مصارف الأوقاف الخيرية المنصوص عليها في حجج الأوقاف, وكذلك إعطاء وزارة الأوقاف حق النظر علي الأوقاف الخيرية,.. كل هذا جعل الوقف يتحول إلي تبرعات عينية يقوم بها المتبرع نفسه.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72929
