المخيمات الفلسطينية في الأردن: مقومات الحياة مفقودة
تتراءى أبرز شواخص التحديات المعيشية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، في وحدات سكنية متهلهلة يشكل أغلبها نتاجاً تحسينياً تدريجياً أصاب الظاهر المادي بحلولها محل «البراكيات» دون أن يطال المضمون الفعلي والرمزي للمخيم، بينما بقيت أخريات أسيرة أسقف «الزينكو« بانتظار دورها في مشروع إعادة تأهيل المساكن الجاري تنفيذه حالياً في المخيمات.
وتفتقر تلك المساكن المبنية غالباً من الطوب للنواحي الصحية الملائمة، بما يُضعف صمودها أمام عوامل الطقس المتقلبة خاصة في فصل الشتاء، «ما يتسبب في تسرب الأمطار عبر تشققات الجدران مخلفة وراءها بركاً مائية تتوسط ساحة المنزل لأيام قبل أن تزول لعدم وجود التهوية الكافية»، وفق تعبير حسنية العوضي (50 عاماً) من مخيم الوحدات.
وتبتعد غالبية الوحدات السكنية عن معايير البناء المعمول بها، خاصة حينما يعمد كثير من اللاجئين إلى معالجة مشكلة الاكتظاظ السكاني بطريقتهم الخاصة، لمواجهة أحد أبرز التحديات في عمل وكالة الغوث الدولية الـ(أونروا) ودائرة الشؤون الفلسطينية في المخيمات الثلاثة عشر، التي بنيت على مساحات أراضٍ محدودة غير قابلة للتوسع أفقياً فيما تضاعف أعداد اللاجئين خلال نفس الفترة أكثر من أربع مرات.
وبسبب ضيق المساحة المخصصة للأسرة الواحدة المكونة في الغالب من 5 – 7 أفراد ضمن 80 متراً مربعاً، يقوم العديد من أهالي المخيم بالتوسع عمودياً ببناء طابقين إلى ثلاثة طوابق فوق الوحدة السكنية الواحدة دون الالتفات كثيراً إلى المعايير البنائية المتبعة.
وتشير تقديرات الـ(أونروا) إلى أن حوالي 46% من بيوت اللاجئين تحوي ثلاثة أفراد أو أكثر في الغرفة الواحدة.
وتقود إشكالية ضيق مساحة السكن، وندرة المساحات العامة والمناطق الخضراء التي لا تتجاوز نسبة 10% من مجمل المساحة الكلية للمخيمات في الأردن، إلى تخصيص أزقة المخيم ونواصي زواياه كأمكنة مفضلة لتجمعات أطفاله وشبابه، بحيث تشكل رؤية الأطفال وهم يلعبون طوال اليوم أمام منازلهم مشهداً متكرراً مع ما يحمل ذلك من مشاكل صحية، ناجمة عن سوء الظروف البيئية، وتردي البنية التحتية، وشيوع المكاره الصحية، وتراكم النفايات في الأزقة وعند المداخل.
وفي نفس الوقت، تصبح أزقة المخيم وممراته المكان المحبذ أيضاً لكثير من اللاجئات في الأوقات القليلة «المشمسة» من هذا الفصل «كسبيل للحصول على التدفئة اللازمة والتعويض عن عدم القدرة على الشراء« وفق علياء سالم (39 عاماً).
وتقول مريم حامد (48 عاماً) «نقضي في كثير من الأحيان أيام الشتاء القارسة بلا تدفئة، خاصة مع قلة البطانيات المتوفرة، بسبب غلاء الأسعار وشدة الضائقة الاقتصادية، التي لا تمكننا من شراء المحروقات اللازمة كالكاز، وهو العنصر المهم بالنسبة لنا للتدفئة».
وتتكبد أم محمد الزبيدي (43 عاماً) معاناة إضافية في مثل هذا الوقت من كل عام بسبب قلة الموارد المالية التي تحدّ من القدرة على تلبية احتياجات أطفالها الستة بعد فقدان المعيل.
بينما لا تستبعد أم خميس (59 عاماً) وهي متهكمة «العودة إلى استخدام الحطب كبديل للتدفئة»، وتضيف «لقد بتنا نستبدل الحاجات الضرورية بأخرى مهمة لمجرد العيش حدّ الكفاف، فتوقفت عن شراء الحليب رغم أهميته لأطفالي حتى نتمكن من شراء اسطوانة الغاز، فيما حرمنا منذ زمن بعيد من أنواع عديدة من الأطعمة التي أصبحت تدرج في خانة الكماليات بالنسبة لنا».
وتشكو كوثر إكّـه (53 عاماً) «الغلاء الفاحش للأسعار» الذي طال بحسبها «أهم عنصر غذائي وهو الخبز»، بينما يرى طارق محمود (45 عاماً) بأن الأوضاع «تزداد صعوبة»، ويتابع قائلاً «لدي أربعة أولاد لا أتمكن في كثير من الأحيان من تلبية احتياجاتهم بسبب الأسعار المرتفعة التي لا تتناسب مع الدخل المحدود».
وتقدر نسبة البطالة داخل المخيمات بنحو 18 – 20%، بينما يصل الفقر إلى 31%، وذلك بحسب تقديرات المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين «بديل».
وتشير سجلات الـ(أونروا) إلى وجود ما يقارب 46 ألف حالة عسر شديد بنسبة 2,6% من قرابة مليون و900 ألف لاجئ مسجلين لديها.
وقد حملت تلك الظروف الصعبة ببعض الأسر إلى إخراج أبنائهم من المدارس للالتحاق في سوق العمل ورفد العائلة بمصدر دخل يساعدها على مجابهة متطلبات الحياة، بينما دفعت بعض الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة بمحض إرادتهم من اجل «العمل للحصول على مصروف يد يكفي لشراء الحوائج اللازمة»، بحسب قول خميس علي (15 عاماً).
ولا توجد عند خميس أية قائمة محظورات، فكل الأعمال بحسبه مسموحة من أجل الحصول على المال اللازم لكفاية نفسه ومساعدة والده في الإنفاق على عائلة مكونة من 10 أفراد.
وترى هناء محمد (35 عاماً) من مخيم الحسين بأن «الغلاء الفاحش للأسعار وارتفاع نسب البطالة والفقر من شأنها مجتمعة أن تدفع الشباب نحو ارتكاب أعمال غير قانونية من أجل الحصول على المال الكافي».
وتفرض الضغوط المجتمعية تبعاتها السلبية على واقع المخيمات بحيث تشكل مرتعاً خصباً لبروز مظاهر سلبية تأخذ منحى أكثر سوءاً داخل المخيمات مقارنة بخارجها.
ويعتقد أحمد عبد اللطيف (57 عاماً) من المخيم نفسه «بتزايد حدة المظاهر السلبية في السنوات الأخيرة بسبب تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وثقل الضغوط»، بينما يركز جهاد محمد (36 عاماً) في حديثه على عنصري الدين والأخلاق ككوابح مهمة للجمّ الشباب عن ارتكاب الجرائم.
وتنعكس حدة الظروف الحياتية في الخطاب الشبابي الذي يرى بعضهم كعلي الجبالي (25 عاماً) بأن «ظروف الحياة الصعبة تحدّ من الطموحات والآمال»، ويضيف قائلاً «لقد اضطررت للخروج المبكر من المدرسة حتى أشكل مصدر دخل لعائلتي المكونة من ستة أفراد وعلى رأسهم أب عاجز أصيب منذ عمر النكبة بطلقات نارية إسرائيلية أعطبت قدميه فأقعدته عن الحركة».
ويقضي إبراهيم عبد المنعم (22 عاماً) جلّ يومه متنقلاً من زقاق إلى آخر في المخيم مع ثلة من أصحابه بعد أن «أغلقت الأبواب أمامه للالتحاق بعمل ثابت عقب تركه مقعد الدراسة مبكراً».
ولم يرضخ صبحي البابا (26 عاماً) «لمغريات الهجرة هرباً من الواقع المأساوي» بحسب تعبيره، فالمخيم بالنسبة إليه ولكثيرين يشكل «رمز اللجوء وعنوان حق العودة الذي لا بد من تحقيقه بعودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم التي هجرتهم منها سلطات الاحتلال الإسرائيلي عام 1948».
ولم تتواكب خدمات الوكالة مع الاحتياجات المتزايدة للاجئين المسجلين لديها، فيما تنفذ دائرة الشؤون الفلسطينية حالياً المرحلة الأخيرة من مشروع حزمة الأمان الاجتماعي في آخر ثلاث مخيمات. ويشار هنا إلى أن الحكومة تقول إنها تنفق سنوياً حوالي 300 مليون دولار على البنية التحتية للمخيمات.
ويجد الراصد لأوضاع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن أنها باتت تفتقد المزيد من مظاهر مناعتها «الهشّة» أمام سطوة الظروف المعيشية الصعبة التي يشتد شظفها خلال أشهر فصل الشتاء الحالية.
وتتسرب منافذ تلك الوضعية المجتمعية القاسية بسهولة في بيئة «غير حصينة» كواحدة من مخلفات واقع اللجوء القسري الإسرائيلي للاجئين الفلسطينيين عام 1948.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72975