الواقع النفسي الأليم للانسان الفلسطيني فصل جديد من فصول المعاناة

انتظر أخصائي نفسي من برنامج غزة للصحة النفسية بغزة ساعات طويلة كي يُمكن مجموعة من أطفال غزة تخيل موقف “مفرح ” خلال برنامج الوساطة الطلابية الذي ينفذه البرنامج في مدراس شمال القطاع .
.الموقف “المفرح”..كان مشهد تدور أحداثه في المقبرة بالقرب من جثمان الأب الشهيد المتواري قريباً أو منذ سنين..وآخر لا يخرج من حيز زنزانة وقضبان فولاذية وزجاج يشوب الرؤية فيحيلها إلى خيالات تتأرجح لغتها بين صمت وبكاء ودمعة ..وثالث هروب ليلي من المنزل والنوم في دار الجدة لأنه الشقيق الطفل استشهد هنا .
تلك كانت من أحلى المشاهد التي تخيلها نحو 26 تلميذاً ، فلم يحيا الأطفال في ظل الحصار والخناق المفروض عليهم بتفاصيل فرح تخرج عن هذه الدائرة المؤلمة ، وما كانت الصورة السابقة سوى واحدة من آلاف الصور التي تعكس مدي الآلام النفسية التي يعيش فيها الفلسطينيين في قطاع غزة ، ” إنسان أون لاين ” التقرير التالي يرصد تأثير الحصار على الصحة النفسية لسكان قطاع غزة .

في غزة المحاصرة لا يمكن لإنسان أن يتمتع بصحة نفسية جيدة 100% فالحصول عليها لا يعني فقط الخلو من المرض النفسي وإنما يعني اكتمال الجوانب الجسمية والنفسية والاجتماعية وفقاً لتعريف منظمة الصحة العالمية وهو مفقود لدي الغزيين بأدنى درجاته ومستوياته.
وبشيء من التفصيل يوضح د. تيسير دياب طبيب نفسي ومشرف عيادي ببرنامج غزة للصحة النفسية خلال دراسة أعدها مؤخراً بعنوان “الحصار وتأثيره على الصحة النفسية” أن الصحة النفسية للإنسان تتطلب جسداً خالٍ من الضغوط النفسية الخارجية ومعافى من الصراعات الداخلية بالإضافة إلى تمتعه بنشاط اجتماعي جيد مع المحيطين به، لافتاً أن ذلك ليس متوفراً لدى الإنسان الفلسطيني بسبب الحصار فلا جسد سليم من الأمراض في ظل عدم توفر الغذاء والدواء معاً وبالتالي فمصدر الضغوط الخارجية و الصراعات النفسية قائماً بإحساس الفرد بأن في سجن كبير، بينما تزدان حياته الاجتماعية بالفقر والعجز فلا قدرة مالية لديه ليقوم بإحدى الزيارات الاجتماعية، ناهيك عن انعدام فرص العمل التي أخلت بنشاطه اليومي وأحالته إلى الركون والخضوع.
من ناحية أخرى استعرض د. دياب مدى علاقة الحصار ببروز المرض النفسي لدى الفلسطينيين قائلاً :” أن الحصار له علاقة مباشرة بظهور حالات نفسية جديدة ولا سيما أيضاً حدوث انتكاسات لحالات مرضية قديمة يتم اكتشافها عبر بعض الأعراض والعلامات النفسية والسلوكية المخلة بشكل واضح في النشاطات الفردية للإنسان “، وأضاف :” أن الحصار المفروض على القطاع كان واحداً من الأسباب والعوامل التي أثمرت حالات جمة من المرضى النفسيين بين أبناء الشعب الفلسطيني مع اختلاف الحالات وحدتها على المستويين الجسمي والنفسي، بالإضافة إلى عوامل الحماية الممثلة بالدين والوطنية والعادات والتقاليد وكذلك الدعم الاجتماعي المفقود والذي ساهم في حماية الأفراد وتطوير أمراض نفسي”، جازماً بأن الشعب الفلسطيني كله بات بسبب الحصار يعاني من أعراض ومعاناة نفسية لا حدود لها.
من جهته يؤكد د. سمير قوتة عبر نتائج دراسة أعدها حول تأثير الحصار على جودة حياة المواطنين في غزة أن الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أشهر طويلة أجبر 84 % من الأسر الفلسطينية على تغيير أنماط حياتهم، وأدى بـ93% منهم إلى التنازل عن الكثير من متطلبات الحياة اليومية، فيما رأى 95% من عينة الدراسة أن غزة تحولت إلى سجن كبير لا يمكنهم مغادرته ليلاً ولا نهاراً.