على مفترقات الطرق بجانب الإشارات الضوئية وعند أبواب الجامعات الفلسطينية ووسط زحام الأسواق تجدهم يطيرون كالريح, تسابق خطواتهم خطوات المارة من الناس، هذا ينادى على السميط الطازج وآخر ينادي على السجائر التي تباع بالمفرق, يبيع الواحد بشيكل والاثنتان بشيكل ونصف وفقاً لنوع العلامة التجارية, في ظل ارتفاع سعره وعدم تمكن فئة كبيرة من المدخنين من شراء عبوة كاملة تبلغ تكلفتها من 15-20 شيكل أو أكثر بحسب نوعها.
“محمود” شاب في ربيع عمره التاسع, لفحت شمس الظهيرة بشرته فلونت سمرتها بحمرة تشبه الحنون، بين يديه الصغيرتين كان يحمل أنواعاً مختلفة من علب السجائر يعرضها على المارة بأسلوبه الخاص, تارةً منادياً وتارة أخرى جالساً ينتظر من يأتيه لشرائها بعد أن يرهقه طول الوقوف والتنقل بين مفترقات الإشارة الضوئية، محمود لم يرث المهنة عن أبيه الذي لم يبصر نور وجهه, فقد رحل قبل مولده بشهرين إثر حادث طرق مؤسف كما أنه لم يمتهن البيع قبل أشهر قليلة لم تتجاوز الخمسة, لانشغاله في دراسته ولكن “ليس كل ما يتمناه المرء يدركه “، قال محمود وبصوت هامس حدثني عن تفاصيل رحلته مع بيع السجائر, فمع بداية الفصل الدراسي الثاني للعام الحالي لم يتمكن محمود من العودة إلى المدرسة, والسبب أن والدته أصيبت بمرض عضال, وقبل مرضها بأشهر انقطع وصول الكفالة المالية التي تتلقاها من إحدى الجمعيات الخيرية فما استطاعت توفير علاج لها ولا أدنى مقومات الحياة الكريمة لأبنائها محمود الأصغر وعمر ونسمة المعاقة وما كان من محمود إلا أن يرافق شقيقه في العمل ليوفرا متطلبات الحياة للأم والشقيقة المعاقة، بصوت هامس قال “لا أدعي أني كنت من المتفوقين في الدراسة لكن مستواي جيد, تمنيت لو أكمل دراستي ولكن مفترق الطرق هذا أصبح مستقبلي” حاول محمود أن يلتحق بعمل في ورشة أو مصنع كما شقيقه الأكبر, لكنه لم يفلح ولم يجد سبيلاً إلا الشارع يعمل في بيع الحلوى وأنواع البسكويت واللبان لكنها لم تدر دخلاً في الآونة الأخيرة فليس هناك طلب عليها بالكاد الناس الفقراء يشترون الضروريات بينما الميسورين لا ينظرون لبضاعتنا, فلديهم محلات السوبر ماركت الخاصة، كانت المحاولة الأخرى في بيع الدخان نظراً لارتفاع أسعاره بسبب شحه في القطاع بسبب الإغلاق والحصار، ويعمد محمود إلى بيع السجائر بالمفرق لتدر عليه ربحاً يعينه مع يومية شقيقه عمر من توفير ثمن العلاج لأمه المريضة وشقيقته المعاقة.
أما “عماد” والذي أجبرته ظروف أسرته الاقتصادية على العمل وترك المدرسة فلم يجد أمامه إلا بيع السجائر طريقة يحصل بها على رزق يأتي به لوالده العاطل عن العمل ليوفر احتياجات أشقائه الكثر، يقول :”المدرسة كانت حلم جميل بدده تعطل والدي عن العمل, بعد أن سرحه صاحب المصنع الذي يعمل فيه نتيجة لنقص المواد”, اليوم تبدل الحال بعماد الذي يشاهد زملاءه يذهبون للمدارس, بينما يقف خارجاً ليبيعهم السجائر ويعود بثمنها لوالده، يقول: “أحياناً أشعر بالضيق فأخرج سيجارة من العلبة أنفث فيها همي وحزني, وأخرجه دخاناً لكنه يلهب صدري”.
يحلم عماد الذي لم تتجاوز سنوات عمره الثالثة عشر أن يعود والده للعمل فيرحمه من الشارع والتنقل بين الطرقات لبيع السجائر تارةً ومناديل الورق تارةً أخرى ويئوب إلى دراسته وكتبه وكراساته ليتسنى له إنهاء دراسته المتوسطة والثانوية العامة ويتخرج من الجامعة بشهادة تمكنه من الحصول على وظيفة محترمة يؤمن بها مصدر دخل لأسرته التي أفقرها الحصار وما أثمره من بطالة وشح في الموارد الاقتصادية في المجتمع الفلسطيني.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=73134
