لم يكن أحد يتوقع أن يتم إجهاض قافلة الحملة الشعبية لفك الحصار عن غزة أمس الأول بهذه الطريقة , فقد قامت القيادات الأمنية بتنفيذ خطة واسعة لإجهاض أي تحركات لتجمُّع قافلة فك الحصار عن غزة، والتي كان من المقرر لها الانطلاق ظهر أمس الأول من أمام نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة؛ تركَّزت على نشر قوات بطريقة واسعة على جوانب الطرق المتوقع استخدمها من جانب أعضاء الحملة، واستخدام ضباط مباحث أمن الدولة في تعطيل وتفريق أي وجود لقيادات الحملة، فضلاً عن أعضائها، واعتقال عدد مناسب من أعضاء الحملة ليتم التفاوض على أساس إخلاء سبيله بعد ذلك.
وفي حدود الساعة الحادية عشرة ظهرًا، ومع تلاشي جميع الآمال من إمكانية تجمع الحملة أمام نقابة الصحفيين قرر القائمون على الحملة التوجه بها إلى أمام مبنى صحيفة (الأهرام) بشارع الجلاء، وأصر الأمن على حصار أعضاء الحملة الشعبية الذين تجمعوا وفرض طوق أمني حول أي تجمعات بالنقابة، وكانت الضحية الأولى حافلة لأعضاء الحملة من مدينة الفيوم تم فرض تكتل أمني كبير حولها ولم تُترَك لهم فرصة التحرك إلا في اتجاه واحد نحو عربة الترحيلات.
في المقابل كان الحصار الأمني حول المتظاهرين الذين تجمعوا احتجاجًا على ما يحدث أشدَّ ضراوةً؛ حيث شهد الوجود اللأمني مددًا أمنيًّا من أمام نقابة الصحفيين، وتم تطويق المتظاهرين بأكثر من 300 جندي أمن مركزي، فضلاً عن اعتقال عدد من المواطنين من الشارع وتفريق أي تجمع حول المظاهرة.
ومع تفاقم الوضع لم يكن أمام القائمين على القافلة حل آخر سوى تغيير مكان التجمع من وسط القاهرة إلى مدينة نصر عند بوابة النادي الأهلي الجديدة بمدينة نصر، ولكن قوات الأمن حاصرت المنطقة المحيطة بالنادي الأهلي واعتقلت نحو 30 ناشطًا من أعضاء الحملة في سيارتين ميكروباص.
وعلى الجانب الآخر حاصرت قوات الأمن بالعريش الدكتور أكرم الشاعر عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري و50 من المرافقين له داخل كردون أمني؛ لمحاولة منعهم من مواصلة طريقهم إلى معبر رفح لتوصيل المؤن والأدوية ضمن الحملة الشعبية لفك الحصار عن الشعب الفلسطيني بعد نجاحهم في الوصول إلى هناك.
ولم يكن دور الأمن خاصًّا بمنع القافلة من التحرك، وامتد الأمر إلى مطاردة الصحفيين ومنعهم من تغطية الحدث وتهديدهم بالاعتقال أو اختطافهم لساعات ومسح ذاكرة كاميرات المصوِّرين والصحفيين.
واعتبر د. محمد البلتاجي –عضو مجلس الشعب -أن ما حدث أمس هو فضيحة أخرى يرتكبها النظام في ذكرى 6 أكتوبر؛ حيث أصبح النظام المصري لا يستطيع أن يحدد مواقفه هل هو في خانة القضية الفلسطينية أم في خانة الكيان الصهيوني.
واستنكر أن يكون الأمن المصري هو من يقوم بحماية إرادة الكيان الصهيوني بدلاً من حماية أمن مصر قائلاً: “إننا مع دواعي الأمن المصري، لكننا نرفض أن نكون جزءًا من أمن الكيان الصهيوني؛ فالقوات الصهيونية قد انسحبت من أرض غزة بشكل كامل، فلماذا نقوم نحن بحراستها لهم؟!”.
وشدد البلتاجي على رفض الجماهير المصرية الموقف الحكومي المصري والعربي، داعيًا كافة الجماهير العربية إلى تحرك مشابه، وقال: “خرجنا اليوم وفاءً لدماء الشهداء وتأكيدًا لرفضنا حصار غزة؛ فقد أردنا أن نرسل في هذه المناسبة رسالة واضحة أن جميع القوى الشعبية تأبى أن يكون معبر رفح جزءًا من الحصار والتضييق المفروض على شعب غزة”.
وطالب البلتاجي بضرورة تحقيق السيادة المصرية على معبر رفح، وأن يكون مثل معبر السلوم الذي يفصل بين مصر وليبيا أو أي معبر مصري آخر وليس وفق الإملاءات الصهيونية، وقال: “نحن لا نتحدث عن حركة عالقين يُسمَح لهم بالمرور كل 4 أشهر, نحن نتحدث عن سيادة كاملة حقيقية على المعبر من الجانب المصري تؤكد أن أراضيَ سيناء والعريش ذات سيادة مصرية كاملة”.
ووصف البلتاجي الموقف العالمي من الحصار بأنه وصمة عار في جبين الإنسانية جميعًا، مؤكدًا أن مسئولية مصر أكبر؛ فهناك التزام بقانون دولي يفرض علينا التواصل مع هؤلاء المحاصَرين، بالإضافة إلى الالتزام التاريخي والجغرافي.
من ناحيته أكد د. عبد الجليل مصطفى منسق حركة كفاية أن هذا النظام فقدَ الحياء، ولا يجب أن نتحدث عن المسئولية ولا الوطنية ولا أي معانٍ كبيرة لا يعرفها هؤلاء المستبدون الفاسدون.
وشدد على أن ما يقوم به النظام لا يدخل سوى في بند المجاهرة بمعاداة الشعب والسعي بكل قواه إلى إحباط كل التوجهات الشعبية وتلبية مطالب الأمة على كل المستويات.
واعتبر أن ما حدث أمس تعطيل للرغبة الشعبية في تأييد ومساندة الشعب الفلسطيني وفك الحصار الظالم عنه في قطاع غزة بالتواطؤ المفضوح بين هذا النظام التابع والعدو الصهيوني والأمريكي.
ومن ناحيته أكد صلاح عبد المقصود وكيل نقابة الصحفيين أن ما حدث اليوم يكشف أن الحصار على فلسطين مصري في المقام الأول، وتقوده الحكومة المصرية التي تدَّعي أنها تعمل لصالح الشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أن القوات التي حاصرت وسط القاهرة تكفي لتحرير فلسطين، وكان الأجدر بها أن توجد لفك الحصار عن غزة بدلاً من أن تشارك في حصارها هي والحكومة المصرية في مؤامرة الحصار على غزة.
وفى سياق متصل تقدَّمت اللجنة الشعبية لكسر حصار غزة ببلاغٍ إلى قسم شرطة الأزبكية عصر اليوم ضد اللواء إسماعيل الشاعر مساعد وزير الداخلية ومدير أمن القاهرة؛ لمنعه أعضاء الحملة من التحرك باتجاه غزة وإصداره لمحاصرة نقابة الصحفيين ومنطقة التجمع ومنع وصول أي مواطن إلى مكان التجمع.
وقال جمال تاج الدين عضو اللجنة وأحد مقدمي البلاغ: “نسلك الاتجاه القانوني لمعاقبة من تجرَّأ على الثوابت الوطنية وضيَّع كرامة مصر في يوم انتصارها على الصهاينة”، مضيفًا أن أعضاء اللجنة سيستخدمون كافة السبل القانونية لعدم إفلات مَن تورَّط من رجال الأمن في هذه الفعلة لرفع العار عن الشعب المصري الذي يرفض مشاركة الشرطة المصرية للقوات الصهيونية في جريمة الحصار.
وفي السياق نفسه تقدَّمت جبهة الدفاع عن متظاهري مصر ومحامون بمركز هشام مبارك للقانون ببلاغٍ إلى قسم الأزبكية لإثبات حالة الاعتقال التي تعرَّض لها أكثر من 200 ناشط أمس .
وأكدت الجبهة أن هذا الإجراء لإثبات حالات الاعتقال التي قامت اللجنة بحصرها عبر مركزها الموجود بمركز هشام مبارك للقانون، وكانت اللجنة قد رصدت حوالي 200 حالة اعتقال في أماكن مختلفة في مصر.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=73477
