عندما بدأ المهنئون يتوافدون لمنزل الأسير “وليد الهودلي” في رام الله للتهنئة بالإفراج عن زوجته عطاف عليان كانت العيون تجول في المكان بحثا عن الطفلة “عائشة” لتهنئتها بخروج والدتها إلا أنها كانت ترد بلغة الطفلة التي لم تتجاوز الـ 4 سنوات “ليس بعد فوالدي لا يزال في السجن”.
وكانت عطاف عليان “45” عاما، قد تركت طفلتها عائشة وهي لم تكمل عامها الثاني، عندما اعتقلتها قوات الاحتلال من منزل زوجها في رام الله، في 21/12/2005 و بعد عاميين اعتقل زوجها وليد لتبقى عائشة بلا أم ولا أب في منزل جدها على أمل الإفراج عن احدهم، أو عن الاثنين معا.
واعتقال وليد وعطاف لم يكن الأول فعطاف كانت قد قضت 11 عاما في المعتقلات الإسرائيلية في حين تجاوزت عدد السنوات التي اعتقل فيها وليد إلى 15 عاما، إلا أن الحال هذه المرة مختلفا، كما تقول عطاف، فهذه “الطفلة “غيرت الكثير لديهما…
تقول عطاف:” الإفراج عني كان مفاجئة كبيرة كنت في المحكمة لرد الاستئناف الذي كنت قد تقدمت به منذ عشر أشهر فقد كان الادعاء يصر على حكمي ست سنوات إضافية كوني كنت قضية و إداري في نفس الوقت وهذه سابقة الأولى من نوعها في المحاكم الإسرائيلية”
هذه المفاجأة كانت “رحمة الله” لها و خاصة بعد الشعور باليأس الذي تسلل إليها من حديث طفلتها أثناء الزيارات:” كانت عائشة في أخر زيارات لي يائسة تماما كانت تردد “أنتي لن تخرجي من السجن”، و عندما أقول لها أنني سأخرج تقول لي “ستعودين إليه مرة أخرى”.
وكانت عائشة هي رفيقة عطاف الوحيدة في سجنها الذي دام ثلاثة أعوام فكانت والدتها في المعتقل بسبب منع جميع أهل عطاف “حتى والدتها التي تبلغ من العمر 80 عاما” من الزيارة بحجة المنع “الرفض الأمني”.
وقد بدت عائشة غير مصدقة لرؤية والدتها:” أول ليلة لم تتركني لحظة رغم تعبي الشديد و خاصة أنني كنت حتى أخر لحظة لا اعلم أنني سأخرج، وبدت تسألني عن والدها و كيف إننا الاثنين في السجن و أنا خرجت و هو لا”. ولم تكن عائشة بعيدة عن المعتقل الذي حرمها والديها فقد التحقت بوالدتها بعد اعتقالها بعشرة أشهر، و خوضها إضرابا عن الطعام لإجبار الإدارة القبول بضم طفلتها إليها بحسب القانون الإسرائيلي الذي يسمح للأسيرة بحضانة أطفالها حتى سن الثانية.
وبعد ثمانية أشهر فصلت الإدارة عائشة عن والدتها لتخرج للعيش مع وليد مرة أخرى، هذه الثمانية أشهر لا تزال راسخة في ذاكرة عائشة التي ما أن رأت والدتها حتى بدأت تسألها عن السجن وما خلفته وراءها حتى أنها تتذكر ملابسها التي كانت تلبسها في السجن و الطعام الذي تأكله هناك.
ولا تزال عائشة تعيش هوس غياب والدتها عنها من جديد، تقول عليان:” فوجئت بعائشة تخاطب صديقتي وتقول لها: إذا سجنت ماما مرة أخرى هل ستبقي معي، فهي تتعامل على أنني لن أبقى معها”.
وتنشغل الآن عطاف بترتيب حياتها من جديد و لكن بدون زوجها الذي جددت له محكمة الاحتلال من جديد أربعة أشهر إضافية في التاسع من هذا الشهر.
تقول عطاف:” عندما اتخذت قرار الزواج كان همي الوحيد بناء أسرة و ترتيب حياة مستقرة لي خاصة بعد أن رزقت بعائشة، إلا أن الاحتلال لم يسمح لي بذلك فكان اعتقالي دون توجيه أي تهمه لي حتى أنهم كانوا في جلسات الحكم عندما يسألهم المحامي عن سبب اعتقالي لا يجيبون عن السؤال لان لا إجابة لديهم.
حال عطاف ينطبق على وليد المعروف باهتمامه بالمرحلة الأخيرة بالأدب بشكل كبير حيث يرأس مركز بيت المقدس للأدب، إلا أن الاحتلال لم يتورع عن اعتقاله إداريا منذ قرابة العام، والتجديد المستمر له.
وبالنسبة لعطاف كانت عائشة تشكل هاجسا مستمرا و خاصة بعد اعتقال والدها:” أكثر ثلاث سنوات صعبة مرت علي على الإطلاق، كنت في حاله تفكير دائم بها و خاصة بعد كل زيارة لي فقد كنت أفاجأ في كل مرة بمدى فصاحتها و معرفتها بالأشياء من حولها، كانت تحدثني عن أخبارها فاشعر أنني أتكلم لفتاه في العشرينات من عمرها”.
وتستذكر عطاف اشد المواقف التي مرت عليها:” قبل أن يسمح لي بضم عائشة إلي في بداية اعتقالي كانت تزورني مع أهالي الأسيرات، وفي أول زيارة لها كان عمرها عام وشهرين حينها فوجئت بإدارة المعتقل تمنع أن تكون الزيارة مفتوحة، و بقيت عائشة وراء الزجاج لوحدها وخاصة أن أهالي الأسيرة الذين رافقتهم كانوا قد ذهبوا لزيارة ابنتهم و كانت تبكي باستمرار و تدق على الزجاج و تنادي علي ماما…ماما”.
وبحسب عطاف كانت هذه الحادثة كفيلة بأن تنهار حزنا لأول مرة خلال سنوات اعتقالها الطويلة:” عدت إلى القسم في حاله يرثى لها، كان شيئا قاتلا أن أرى طفلتي لا تبعد الكثير عني و لا استطيع ضمها إلي”.
عن مركز الاسرى للدراسات
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=73542
