لحظات تحت القصف … مراسل (النافذة) يروي تفاصيل من تحت الأنقاض

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشر من ليل الأحد حينها كان الهدوء الحذر يخيم على منطقة بلوك أربعة في مخيم جباليا شمال غزة حيث مسجد عماد عقل الذي دار الحديث بين أوساط المواطنين عن تهديده بالقصف من قبل قوات الاحتلال .
النعاس غلب على معظم السكان الذين لم يذوقوا طعم النوم الهادئ منذ السبت الماضي على اثر الانفجارات الهائلة التي لم تتوقف ولو للحظة واحدة .
وبشكل مفاجئ كان الانفجار انتفضت مسرعا متفقدا لنفسي من بين الركام والحجارة التي تناثرت حولي في ثوان معدودة أبحث عن بقية أفراد العائلة ، فالظلام دامس وصراخ الأطفال والنساء سيطر على المكان .
في اللحظات الأولى من القصف اتضح أن المنزل دمر بشكل شبه كامل لاسيما وأنه كبقية منازل المخيم ذات البناء البسيط الذي تعلوه ألواح من الاسبست والحديد ” الزينقو “.
حركة المواطنين التي انتابها الهلع كانت سريعة وتهافت الجميع بحثا عن أهلهم وذويهم المفقودين ، فيما كانت وجهة سيارات الإسعاف والدفاع المدني إلى المسجد الذي سوي بالأرض وبات أثرا بعد عين ، هناك كانت المنازل المجاورة المتضررة الأكبر حيث اشتعلت ألسنة اللهب بداخلها .
في منزل عائلة بعلوشة الملاصق لمسجد عماد عقل كانت المجزرة حيث دفن جميع الأبناء تحت الأنقاض بعد أن تمكن رب الأسرة وزوجته التي تحمل ابنها الرضيع من مغادرة المنزل يعانون من إصابات مختلفة .
عمليات البحث من بين الركام أدت لانتشال سبعة من البنات كان الركام قد غطى فراشهن ، فيما تبين بعد ذلك أن اثنتين من بينهن أحياء أحدهن بحالة خطيرة جدا وترقد داخل غرفة العناية المكثفة في مجمع الشفاء الطبي ، والخمسة كن قد فارقن الحياة على الفور.
تحرير بعلوشة البالغة من العمر ثمانية عشر عام وشقيقاتها إكرام خمسة عشر عاما ، وسمر اثني عشر عاما ، ودينا ابنة الستة أعوام ، وآية التي لم تتجاوز الثلاثة أعوام فاضت أرواحهن إلى بارئها في آن واحد .
وبحسب شهود العيان فان تلك العائلة قد أخلت المنزل قبل ما يزيد عن أربعة أيام بشكل متواصل بعد الأنباء التي تحدثت عن إمكانية قصف المسجد ، وعادت إليه من جديد قبل القصف بساعات معدودة فقط .
بعد تفقد المنزل الذي قضينا فيه ليلة من الرعب الحقيقي لم يكن تفسير لخروجنا سالمين من تحت الركام سوى أن عناية الله كانت تلف المكان ، فالحجارة التي سقطت من فوق سطح المنزل بقيت عالقة في النايلون الذي تم وضعه مع دخول فصل الشتاء في وقت سابق فوق ألواح الاسبست لتفادي الأمطار ، وكان السؤال … ماذا لو لم يغط النايلون سقف المنزل، فيما كان الاستغراب من أنه برغم الدمار الهائل وتطاير الحجارة لعشرات الأمطار إلا أن الإصابات كانت طفيفة بين سكان المنازل المحيطة بالمسجد عدا عائلة بعلوشة المكلومة .
جميع المواطنين وهم يقصون حكايتهم مع اللحظات الأولى للقصف عبروا عن صدمتهم بما لحق بالمنازل التي لم تعد مهيأة للسكن بعدما فقدت مقومات العيش فيها ، فخزانات المياه تطايرت من مكانها ، وخطوط الكهرباء والهاتف تقطعت بشكل كامل .
في أحد المنازل المجاورة للمسجد سقط عليها عامود من الاسمنت “الباطون” طار من المسجد المستهدف وخيم على النائمين في الغرفة ، وتمكن أفراد العائلة من الخروج من تحته سالمين.
رائحة الغبار والدخان ملأت المكان ولم تفارقه حتى بعد انقضاء ساعات على عملية القصف ، ومع بزوغ الصباح كانت المنطقة المستهدفة وجهة المواطنين الذين تهافتوا للوقوف على حجم الكارثة التي لحقت بالسكان واضطروا لإخلاء منازلهم بحثا عن أماكن أخرى أكثر أمنا تقيهم من برد الشتاء القارص ، وقد دأب السكان على نقل ما تبقى من حاجياتهم المدمرة في شاحنات كبيرة .
صور المعاناة والمأساة لم تخل من أي من المنازل التي ضربت المنطقة ، وفي كل زاوية من زواياه كانت حكاية ، وما ذلك سوى في قصف هدف واحد فقط من بين مئات الأهداف في قطاع غزة التي تعددت ما بين المقرات الأمنية والجامعات ودور العبادة والمؤسسات الخيرية ومنازل المواطنين ، وللجميع أن يتخيل حجم الدمار الذي يتعرض له قطاع غزة منذ ظهيرة السبت الماضي ، حيث يجدر بالإشارة إلى أن القصف المتواصل والمتلاحق لم يدع مجالا أمام وسائل الإعلام للوقوف على حجم الدمار وقصص المأساة في كل مكان والتي بحاجة لمجلدات كي يمكن توثيقها .