\”غزة على حافة الموت\”.. هذا هو الوصف الدقيق لما يواجهه مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة الذي بدا وكأنه يحارب دولة عنصرية تنحاز لها شريعة الغاب الأميركية، والذي حولته الاجراءات الاحتلالية الأخيرة إلى سجن كبير مفتوح على المجهول، حيث الإغلاق والحصار، وانعدام الكهرباء والنقص الحاد في المياء والغذاء
المنظمات الحقوقية والإنسانية في العالم ما انفكت من التحذير من أن غزة مقبلة على كارثة حقيقية خلال الأيام القليلة القادمة، مؤكدة أن إغلاقاً محكماً لها للأسبوع الثالث على التوالي، سبب أزمة حقيقية في القطاع أدت إلى الانقطاع شبه الكامل لكل مقومات الحياة، اضافة الى غياب العلاج والدواء، فضلا عن إغلاق أغلب المخابز أبوابها وتوقفها عن العمل جراء عدم توفر مستلزماتها الأساسية.
ربات البيوت بتن يعانين ليلا نهارا من أزمة انقطاع التيار الكهربائي والماء، فقد بات هم الأم الوحيد هو كيفية توفير الماء من أجل نظافة الأطفال والمنازل، واضطرت السيدات إلى نقل المياه بالأواني البلاستيكية والجرار الفخارية التي بالكاد تكفي ما يحتاجه المنزل، وتحول ليل الأمهات إلى نهار حيث يصل التيار الكهربائي لمدة ساعات قليلة من أجل إنجاز القليل من الأعمال التي تحتاج إلى تيار كهربائي.
أما طلاب المدارس والجامعات الذين يتقدمون في هذه الأيام لامتحانات نصف الفصل، فقد أصبحوا يبحثون عن الحلول في ظل انقطاع التيار الكهربائي.. الشمع نفد من المحلات، وأسطوانات الغاز الخاصة بالإنارة فرغت في معظم المنازل، ما جعل الجميع في حالة عصبية، جراء الخطر الذي بدأ يهدد مستقبل الأبناء في مسيرتهم التعليمية في ظل عدم توفر البديل للتيار الكهربائي.
الأزمة وصلت أيضاً إلى المخابز التي توقف معظمها عن العمل، فمخزون الدقيق نفد من القطاع، والمخابز لا تجد الوقود لتشغيل الأفران، في حين توقفت مطاحن القمح عن العمل بسبب عدم قدوم القمح المستورد من الخارج عبر المعابر الإسرائيلية المغلقة منذ ثلاثة أسابيع.
غزة اليوم التي تقاوم الاحتلال نيابة عن أمة باكملها أصبحت سجنا كبيرا يتسع لمليون ونصف المليون مواطن، والأمور أصبحت مفتوحة على كافة الاحتمالات، وتحذيرات منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية وحقوق الإنسان لم تجد نفعا في إيجاد الحلول للأزمة القائمة التي باتت تهدد أهالي القطاع بالكارثة المحققة خلال أيام أو ساعات.
أما اذا ما نظرنا الى ضحايا هذا الحصار بالحقائق والأرقام، فبحسب اللجنة الشعبية الفلسطينية لمواجهة الحصار، فان 260 فلسطينياً من المرضى استشهدوا، في حين ارتفعت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في القطاع الى أكثر من 80%، بعد مرور 18 شهرا على الحصار.
يحدث هذا في غزة، وسط صمت عربي وإسلامي خطير، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه، فإن الأوضاع الإنسانية ستسير بشكل دراماتيكي نحو الأسوأ، بعد تشديد الحصار ضد المدنيين ومنع دخول المواد الأساسية والوقود، ما جعل ثلاثة أرباع السكان يعيشون دون كهرباء لمدة تصل الى 16 ساعة يوميا، في حين أصبح الخطر يداهم عشرات المرضى في مراكز العناية المكثفة بالمستشفيات.
إسرائيل من وراء اللعب بورقة الحصار تريد زيادة معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، حتى إذا وصلت الأمور للحظة الحرجة، لجأت بشكل تكتيكي للعبة فتح المعابر، وأحياناً حتى هذه اللعبة لا تتجاوز مرحلة الإعلان عنها، وحتى لو تم بالفعل فتح أحد المعابر تحت إشرافها، فإن ذلك لا يعني أن جميع المواد الإغاثية المتفق عليها مع هيئات الإغاثة الدولية، وهي محدودة ولا تسد الرمق بطبيعتها، سيتم السماح بدخولها، في حين أن تكتيك فتح المعابر المؤقت لا يخرج عن إستراتيجية الحصار الإسرائيلية العامة.
وعادة ما يكون فتح أحد المعابر، لامتصاص حملة إعلامية وسياسية دولية تتناول الحصار من الناحية الإنسانية، أو لتغطية زيارة مسؤول فلسطيني كبير لإسرائيل، أو مجيء مسؤول أجنبي كبير في زيارة رسمية لإسرائيل أو لعاصمة عربية، أو استباقا لتصعيد الموقف من قبل فصائل المقاومة الفلسطينية.
وفي الحقيقة فإن حصار قطاع غزة ليس إسرائيليا خالصاً، بل إن قسوة الحصار الحقيقية تستمد من السكوت عنه عربيا وإسلاميا، ومن جهة أخرى دوليا لدرجة التواطؤ مع إسرائيل في جريمتها.
ويكفي فقط إشعار الفلسطينيين بمذلة الاحتلال وتخلي القريب والبعيد عنهم، حتى تنكسر إرادتهم ويقبلوا بتسوية مذلة لقضيتهم، وهذا ما حاولت اسرائيل فرضه خلال الأشهر الخمسة الماضية عندما بادلت التهدئة مع حركة حماس في غزة بالغذاء والوقود والكهرباء، في محاولة منها لجعل الفلسطينيون وبرضاهم تحت رحمة عدوهم، الذي لن يتخلى عن إستراتيجية الحصار ما دامت بديلا عن الدبابة والطائرة والصاروخ، فالنتيجة واحدة، اما القتل جوعا.. واما بالرصاص.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=73780
