غـزة هذا العام .. بدون زيتون أو تمور

البلح يشكل مصدر دخل للمزارعين في غزة

اتكأ الحاج "أبو أدهم عاشور" على عصاه وبحسرة أخذ يجول ببصره على محصول الزيتون الذي جناه من بستانه لهذا العام.. ومن حوله يتحلق أحفاده محاولين لملمة آمالهم المبعثرة وأحلامهم التي تبخرت مع كساد موسمهم.
والدموع تنساب من عينه قال الحاج أبو أدهم (65 عاماً) :"المحصول لهذا العام هو الأسوأ على الإطلاق منذ عشرات السنين.. فأراضنا جُرفت، وأشجار الزيتون اقتلعت من جذورها وأُحرقت بنار الحقد الإسرائيلي ولم يتركوا لنا شيء.. وهو مصدر دخلنا الوحيد ومنه نُطعم أولادنا".
وبعيون ملؤها الألم تابع: "رغم ضعف الموسم في العام الماضي الا انه يعد وفيرا مقارنة بهذا العام.. وكنا نستبشر به الخير الوفير فزرعنا في صدورنا الأمل.. ووعدت أحفادي بالهدايا الجميلة، ورسموا في مخيلتهم أحلاماً ملونة وأمنيات لا تنتهي".
الحسرة لن تحرق قلب الحاج أبو أدهم وحده بسبب كساد موسم الزيتون لهذا العام، بل اشتعلت في كل بيوت قطاع غزة التي استقبلت موسمها بعد حرب إسرائيلية بشعة دمرت البيوت وجرفت بساتينهم وأرضيهم الزراعية.
 
بور وجدباء

مزارعون يجنون ثمار الزيتون مما تبقى من اشجارهم

علامات الخيبة تجلت على وجه "ياسر أبو عودة" وهو يتجول بين أشجار الزيتون المحروقة ودونمات أرضه التي جرفتها آليات الاحتلال الإسرائيلي, وبحروف الحزن قال: " هذه الأرض كانت تنتج في السنوات الماضية أطنان الزيتون وآلاف كيلوات الزيت.. ومصدر رزق لعشرات الأسر والبيوت.. أما الآن فلا زيت ولا زيتون", واستدرك: " كل شيء ضاع وحتى الأحلام اندثرت".
ولم يكن بستان الحاج "أبو نصر" أفضل حالاً من حقل "أبو عودة"، على الرغم من أنه لم يُجرف وأشجاره لم تُحرق فأكثر من ثمانين شجرة زيتون فلم تنتج سوى 100 كيلو جرام، حين أنها كانت تنتج لا يقل عن 800 كيلو جرام.
وبصوت القهر قال أبو عودة: " إسرائيل لم تُجرف أرضي ولم تحرقها.. ولكن أصابتها بالغازات السامة وبالسفور الأبيض الذي انبعث من قنابلها وتلقفتها الأشجار.. فألم بها العقم وباتت الأرض بور وجدباء".
وبدورها أكدت وزارة الزراعة في حكومة غزة إن محصول الزيتون للموسم 2009 انخفض بشكل بنسبة 12 في المائة مقارنة بالموسم الماضي بسبب الحرب الأخيرة التي حصدت الأخضر واليابس.
وأكدت الوزارة في بيان وصلنا نسخةً عنه أن تجريف الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من 8784 دونماً خلال عدوانه البشع على القطاع، عدا عن قلع مئات الأشجار وإحراقها بالصواريخ كان عاملاً أساسياً في انخفاض المحصول.
 
لا زيتون.. ولا زيت

نخيل غزة

وانعكس شح الزيتون هذا العام على كمية الزيت المتوفرة في أسواق قطاع غزة, فارتفعت أسعاره أضعافاً مضاعفة عن الأعوام السابقة, فبعد أن كان لتر الزيت من "18_20 شيكل" أصبح أربعون شيكل.
أبو عمر أب لخمسة أطفال بدا عليه الضيق والحنق لعدم مقدرته على شراء الزيت لصغاره بسبب ارتفاع ثمنه قائلاً: " كنا نستعيض بالزيت والزيتون عن المواد الغذائية مرتفعة الثمن في وجبات أطفالنا أما الآن فلا زيت ولا شيء مفيد لصحة أطفالنا".
وأمارات خيبـة الأمل مرسومة بوضوح على وجه التاجر أبو عمر قال وهو يضرب كفاً بكف :" كنت في الأعوام السابقة أشتري أكثر من 500 صفيحة زيت وأبيعها كلها خلال أيام قليلة.. أما هذا العام فلم أحصل سوى على 100 صفيحة، ومازالت كما هي في المتجر، ولم يقترب منها أحد" واستدرك بحسرة: " الزبائن تقترب وتسأل وعندما تعرف السعر تصاب الذهول ولا تقترب من الزيت مرة أخرى".
وأكد مدير عام الإرشاد في وزارة الزراعة محمود البنا أن إنتاج قطاع غزة الحالي من زيت الزيتون لا يتجاوز 200 طن بينما احتياجاتها تصل إلى3250 طن، وهو عجز كبير جداً.
وكانت الحرب الإسرائيلية على غزة _ما بين 27 ديسمبر و18 يناير الماضيين_ والتي أسفرت عن استشهاد نحو 1420 فلسطينيا، وجرح أكثر من 5450 آخرين قـد جرفت في طريقها الأراضي الزراعية وأحالتها إلى كتلٍ من السواد وشبّعت ترابها بغازاتٍ سامة حارقة ستحتاج إلى سنـوات لكي تلتقط أنفاسها من جديد.
 
وللبلح نصيب

موسم البلح يعيش حالة كساد في غزة

وإن كان موسم الزيتون يعاني من الشح والكساد فهو ليس وحده, بل انضم إليه موسم البلح الذي انخفض إنتاجه بصورة ملحوظة هذا العام.
وفور انطلاق الموسم الأسبوع الماضي انتشر عشرات العمال في بساتين النخيل في كافة أنحاء قطاع غزة وشرعوا بتسلق الأشجار وقطف الثمار والبدء في تهيئتها للأسواق.
وهو يسمح ذرات العرق عن جبينه قال العامل أبو يوسف: " أعمل في قطف البلح منذ عشر سنوات ولكني لم ألحظ انخفاض في الثمار وتدني جودتها كهذا العام.. ربما يرجع السبب للحرب والغازات السامة والفسفور الأبيض".
خليل حمام مدير وزارة الزراعة في وسط القطاع قال في تصريحات صحفية إن دير البلح وحدها تملك ألف دونم مزروعة بأشجار النخيل المثمرة، فيما ينتج كل دونم في المواسم العادية طنين، بينما انخفضت النسبة لهذا العام فوصلت إلى طن ونصف في المتوسط.
وعن سبب ضعف موسم البلح أرجع السبب موجات الحر والبرد التي قد تكون أثرت على الأزهار، قائلاً: "الفاكهة عموماً إنتاجها ضعيف فكل فلسطين والكساد لم يكن فقط في غزة ولكن في الضفة الغربية هناك انخفاض في موسم الفاكهة لذا أقرب الأسباب لانخفاض الإنتاج هو حالة الطقس المؤثرة وقت الزهر".