عائلة وهدان.. حيث يلتقي الفقر والمرض مع الحصار

عائلة وهدان

في  غرفةٍ متواضعة تخلو من مظاهر الحياة انهمكت "أم بلال وهدان" في إشعال الحطب ومن حولها الصغار ملتفون لطبخ بعض الطعام لسد رمق جوعهم.. وبعيون أدماها التعب وبغصة كبيرة وقفت على عتبات قلبها بدأت في سرد تفاصيل وجعها مع الحياة بسبب ما آلالت إليه حياه الغزيين من استمرار الحصار والإغلاق.
 
بدمعة حارة سقطت مع أولى كلماتها قالت أم بلال: "عندي أربعة أولاد ونعيش في غرفة واحدة لا تتجاوز الأربع أمتار.. نستخدمها للنوم وللطبخ ولاستقبال الضيوف ولكافة شئون الحياة الصغيرة والكبيرة".
 
ومضت تقول: "زوجي مريض بكومة من الأسقام المزمنة والمستعصية ويحتاج لمبالغ كبيرة شهرياً للعلاج.. وهو عاطل عن العمل بسب الأمراض التي أنهكت جسده منذ سنواتٍ طوال, فلا معيلٍ أو معينٍ لنا سوى الله".
 
العيش على الصدقات
مجرد أن تجول بعينيك إلى أرجاء المكان، حتى تصيبك بالذهول والدهشة من وجود أناس يعيشون في مكان أشبه بخربة لا تصلح للحياة، فهو عبارة عن غرفة لا تتعدى الأربعة أمتار تملأ جدرانه الثقوب والشقوق والرطوبة تعج بالمكان.. والحشرات والطفيليات تلازم البيت صيفاً وشتاءاً.
 
وهي تحاول تغطية ثقوب المنزل ببعض الأغطية البالية أردفت: "هذه الغرفة مهددون بالطرد منها واللجوء إلى الشارع بأي لحظة لعدم سدادنا لإيجارها منذ عدة شهور.. فزوجي لا يعمل ولا دخل لنا"، واستدركت: " نعيش فقط على صدقات أهل الخير من الحي وهم من يدفعون لنا الإيجار".
 
وبحزنٍ ملأ صوتها أضافت: "انظروا حولكم فلن تجدوا أدنى مقومات للحياة.. فالتقشف والفقر هو حالنا منذ أعوام طويلة.. فلا أثاث للنوم والجلوس.. ولا أواني للطبخ.. وحتى الأدوات الكهربائية البسيطة مفقودة.. نحن نعيش على فتات الناس ومعونات بعض المؤسسات التي لا تغنينا من جوع.. ولا تؤمننا من البرد والخوف".
 
وكان رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار النائب الفلسطيني جمال الخضري قد كشف مؤخراً عن أن 80 في المائة من سكان قطاع غزة يعيشون تحت خط الفقر.
 
وقال الخضري إن "عشرات الآلاف من العمال لازالوا بدون عمل، ومليون فلسطيني يعيشون على المساعدات ومعدل دخل الفرد اليومي دولارين".
 
يحتاجون للرعاية
وبعد آهٍ طويلة تابعت: "بسبب ضيق الحال اضطر بلال لترك المدرسة لأنها تحتاج لمصاريف كثير والتحق بمدرسة صناعية حتى يتعلم مهنة ويساعدنا في المصروف ويرفع بعض المعاناة عنا"، واستدرك: "بات حلمه الوحيد أن يجد عمل مناسب ودخل ثابت لكي يكفينا العوز وحاجة الناس والجيران من حولنا ولا نحتاج لأحد بعد ذلك".
 
وعينيها ترنو تجاه صغارها أضافت: "ليت الحال يتوقف عند الفقر والمرض ولكنه تعدى إلى أولادي.. فلدي اثنين منهم معاقين عقلياً ويحتاجون لرعاية صحية ونفسية وتكاليف علاج باهظة لا نقوى عليها بالإضافة إلى النظام الغذائي الخاص.. وأقف أمام متطلباتهم عاجزة ويداي مكبلتان ولا أستطيع الحراك ولو بأدنى احتياجاتهم البسيطة".
 
وبحسرة أضافت: "ساجي وهاني من يكسران ظهري.. فهما لا يعيان ما يجري حولهما ولا ويستوعبان حالة الفقر المدقع التي نعيشها.. وكلما لمحت الحزن في عيونهم يصيبون القهر والكمد الشديد.. فهما يحتاجان لرعاية متخصصة ونحن لا نملكها لهم مثل أي أباء وأمهات مسئولين عن أبنائهم".
 
وأشارت أم بلال إلى أن وجبتهم الرئيسة كل يوم هي "الزعتر" مع الخبز الجاف, ملابس أولادها تجلبها من الجيران وما هو زائد عن حاجتهم، وتمنحهم بعض المؤسسات الخيرية القليل من البطانيات والأغطية في الشتاء.
 
لا منزل لنا!!
والتقط طرف الحديث صغيرها توفيق صاحب الستة أعوام قائلاً: " أريد أن أعيش كباقي الأولاد في المدرسة والشارع.. وأحلم ببيت كبير وغرفة بها الكثير من الألعاب وملابس نظيفة أذهب بها إلى المدرسة".
 
وبكلمات أكبر من سنوات عمره تساءل: " لماذا لا يوجد لنا مكان نلجأ إليه؟ ولماذا سنطرد من هذه الغرفة التي نعيش بها؟، ولماذا أبي لا يوجد له عمل ودخل ولا يعطيني مصروف كباقي الأولاد.. وأخواني المعاقين ليس هناك من يرعاهم؟".
 
وتمنت أم بلال من المؤسسات والجمعيات التي تعني بالمعاقين حركياً وعقلياً أن تتبنى طفليها المعاقين وتستوعبهم داخل مؤسساتها، وتقدم لهم العلاج اللازم واحتياجاتهم الخاصة.
 
أسرة أم بلال وهدان ليست الوحيدة التي تقطن على مشارف الموت وتتجرع كأس الفقر وتقتات على العجز والعوز للجمعيات والمؤسسات الخيرية، بل هناك آلاف الأسر الفلسطينية في قطاع غزة تعيش تحت خط الفقر وأنهك أطفالها المرض والألم.
 
وحذرت مؤسسات حقوقية دولية من تنامي الفقر في قطاع غزة، حيث تضاعف عدد الفقراء في القطاع إلى ثلاث مرات في العام الحالي نتيجة الحرب الأخيرة على غزة والحصار الإسرائيلي المفروض عليه منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات الأمر الذي  قوض الاقتصاد الفلسطيني وسبب في معاناة أكثر من مليون شخص ونص شخص.