يعبرون من مخيمات الشتات الى وسط العاصمة علّ الصوت يصل.. عيونهم مليئة بالآمال، بذكريات أجدادهم، بمعاناة تجري في دمائهم، أُرضعت لهم مع لبن أمهاتهم جاءوا، تحاوروا فيما بينهم، اختلفوا، تعلّموا، لكن ظلت القضية.
إنهم مجموعة من الشباب الفلسطيني قدموا من مخيمات لبنان، وحضروا دورة إعلامية في بيروت، أثمرت عن مدوّنة تتيح لهم تفجير ما لديهم من طاقات لم يجرأوا على التعبير عنها.
مبادرة بريطانيا
الدورة بدعم من دار الحياة اللندنية
المبادرة لم تأتِ من أيّ بلد عربي شقيق.. بل أتت من بريطانيا إلى شباب مخيمات لبنان عبر مشروع أطلقته ونظمته "دار الحياة" تحت عنوان "أسس الصحافة المكتوبة للشباب الفلسطينيين في لبنان"، ويضم ورش عمل تزود المشاركين بالمعرفة والمهارات للتعبير بموضوعية عن وجهات نظرهم، بتمويل من السفارة البريطانية في بيروت.
ويقسم المشروع إلى دورتين، تضم كل منها مجموعة من 10 شبان وشابات فلسطينيين، غالبيتهم من طلاب كليات الإعلام أو مهتمين بالشأن الإعلامي، لتدريبهم على تقنيات الصحافة المكتوبة وتزويدهم أدواتها ليتمكنوا من التعبير عن وجهات نظرهم ونقل واقع حياتهم بأسلوب مهني ومحترف.
وتُعتبر ورشة العمل فرصةً للتعلّم، تهدف إلى توفير إمكانيات معالجة المادة، أي مادة، انطلاقاً من تقبّل الرأي الآخر واحتواء النزاعات عوضاً عن زيادة حدتها بلا طائل. كما أنها تفسح المجال أمام أصحاب الأقلام والأهواء الفنية تهذيب أفكارهم وتنظيمها، وتأمين وصولها إلى القارئ و/أو المُشاهد بمهنية مقبولة، وخصوصاً في المواضيع الأدبية والتسجيلية والتصويرية.
وحرصت دار "الحياة" على أن يكون المدربون في شكل أساسي صحافيين ومحررين من أسرة "الحياة" في بيروت، لنقل خبرات عملية وتبادل تفاعلي مع المجموعة في جو من الزمالة، بعيداً من أسلوب التلقين والمحاضرات النظرية.
واستضافت الورشة أيضاً زملاء وزميلات من وسائل إعلام أخرى وأكاديميين وخبراء في حقوق الإنسان لتقديم أكبر عدد ممكن من المقاربات والخبرات المفيدة للمتدربين.
تجربة فريدة
إحدى جلسات الدورة
عشتار(22 عاماً) من مخيم شاتيلا، إحدى المشاركات بالدورة تقول: " جئت لأوصل رسالة مفادها نقل " هموم ومشاكل المخيم، كيف يعيشون؟ كيف سيكون مستقبلهم؟" استفادت عشتار من الورشة لأن برأيها ساعدت على تسليط الضوء على مثل هذه المشاكل، وتعلّمت كيفية تنظيم "أفكارها بواسطة مجال الصحافة" تصف التجربة بـ " الحلوة والشيقة والممتعة" وتختم بالقول " تعّرفت على واقعي أكثر".
بدورها تشاطر إسراء (18 عاماً)، التي تدرس التوثيق في الجامعة اللبنانية، عشتار الرأي بأنها جاءت لتنقل" المعاناة والمآسي وآلام الفلسطنيين في المخيمات" وتقول بأنها تستطيع التعبير عن ذلك عبر كتاباتها واصفة الورشة بالمفيدة فهي تعلّمت" أشياء لا يمكن تعلّمها في الجامعة".
أما منى سليمان (25 عاماً)، والتي تعمل معلمة، جاءت أيضاً لنقل مشاكل المخيم وصورة "الظلم الواقع والحرمان فيه" والذي برأيها يجب الإلتفات إليه.
وأضافت الورشة "أشياء جديدة" لمنى ساعدت على إبراز الشباب الفلسطيني الذي لديه "طاقة غير معّبر عنها.. إنها نقطة بداية" .
أما دعاء (21 عاماً) تعمل كمحررة في تلفزيون القدس، تصف المخيم "بالوطن الثاني" تريد من خلال الورشة القول بأن الصورة التي تصل عن المخيم غير دقيقة، تعلمت "كيفية تعامل الصحافي مع غيره"، ومفاهيم حقوق الانسان، واصفة إياها بأنها فرصة لكن ليست كافية. وتستطر بالقول عن بعض المدربين "أنهم حاولوا تغيير المنحى الفكري لهم لكنهم فشلوا".
أما ريما (22 عاماً) من مخيم شاتيلا فتقول :"رب كلمة تستطيع أن تعّبر أكثر من بندقية"، فالكلمة بالنسبة إليها تستطيع أن تؤثر في مجال الصحافة أكثر من السلاح "فهي تحّرك الرأي العام".
ولا تختلف ريما عن باقي زملائها في الهدف الذي جاءت من أجله ألا وهو توصيل رسالة من المخيم عن المعاناة لكن هذه المرة " الى وسيلة لبنانية"
الشباب الفلسطيني يكتب
أثمرت الدورة عن تدشين مدوّنة على الانترنت بعنوان "الشباب الفلسطيني يكتب"، وهي مشروع صحافي يقدّم فسحة إضافية للشبّان الفلسطينيين والشابات الفلسطينيات، من مختلف الأهواء، للتعبير عن همومهم وآرائهم، عبر الوسائل المتوفّرة في هذه المدوّنة، وهي النص والصورة والفيديو.
ويهدف المشروع إلى استقطاب أقلام شريحة واسعة من فلسطينيي الداخل والشتات وعدساتهم، للإضاءة على الهموم والمشاكل المشتركة، الاجتماعي منها والثقافي والسياسي.
ودور مدوّنة "الشباب الفلسطيني يكتب" إبقاء الضوء مسلّطاً على أوضاع الفلسطينيين ومعاناتهم وإخفاقاتهم… ونجاحاتهم، في لبنان والعالم.
ويبقى أن نقول إنها حقاً تجربة فريدة تتيح لنا جميعا ًعبر مجموعة من الشباب الى الانصهار مع القضية بشكل أعمق، مع المعاناة التي لا تنتهي، ومع الحلم الذي لا ينضب، ومع الإرادة الصلبة كزيتون فلسطين، إذ أن تجرجر المأساة ذاتها لبعض الوقت، هذا امر قد يكون محتملاً، لكن ان تستمر لأكثر من واحد وستين عاما ً، فذلك كفيل بتحويل الحياة الى نوع من الموت في جحيم لا ينتهي. ولعلّ فسحة الإعلام هذه تكوت متنفسا ً لتفجير طاقات كانت سجينة أزقة المخيمات الفلسطينية في لبنان.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=74746
