مطالبات مستمرة دون جدوى
عادوا مجدداً للظهور.. هم المعتادون على الاختباء، ليس لذنب اقترفوه، بل لأنهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية.. إنهم فلسطينيون أتوا إلى لبنان مع الثورة الفلسطينية. رحلت الثورة، وبقوا، ليصبح اسمهم الرسمي "فاقدو الأوراق الثبوتية".
وعلى الرغم من مضي كل هذه السنوات على وجودهم، لا تزال قضيتهم تعيش معلقه في الهواء دون أن تحل، ولا يزال الفلسطينيون أصحاب العلاقة يدفعون الثمن أمام تعنت بعض المسؤولين المعنيين الذين لم يلتزموا بوعودهم وواجباتهم تجاه هذه الفئة المهمشة من اللاجئين الذين يطالبون بأبسط حقوقها وهو الاعتراف بشخصيتهم القانونية وحرية التنقل.
بدورها طالبت منظمات حقوق الانسان الفلسطينية، في رسالة مفتوحة الى الحكومة اللبنانية، بضرورة ايجاد حل عادل ومنصف لهذه المشكله لما لها انعكاسات على الفلسطينيين فاقدي الاوراق الثبوتية.
لا أحد يراهم!
يختبئون داخل المخيمات خوفاً من الاعتقال أو الملاحقة لأن السلطات اللبنانية تعتبر وجودهم في لبنان غير شرعي وغير قانوني وفي الأشهر الأخيرة من هذا العام تعرض أكثر من 450 فرد منهم للاعتقال لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية بتهمة الإقامة غير المشروعة على الأراضي اللبنانية وتم الإفراج عنهم لاحقاً ومن بينهم شباب وشابات طلاب مدارس، ولكن مازال وضعهم غير قانوني في لبنان.
وتشير بعض المعطيات إلى أن هذه الفئة، نتيجة استمرار واقعها الصعب، أصبحت عرضة للاستغلال من قبل المتاجرين والمزورين وأصحاب التسلط والمستفيدين الكثر من الهيئات و الشخصيات الفلسطينية واللبنانية ذوي الارتباطات الدولية والإقليمية بحجة عبارات تردد يومياً عن التوطين والتهجير وما أشبه ذلك.
وترفض السلطات اللبنانية حتى الآن طرح هذا الملف الذي تسبب بكارثة إنسانية لهؤلاء على صعيد الحياة المعيشية اليومية، فأصبح رب الأسرة يخاف أن يخرج من المخيم للذهاب للعمل خشية توقيفه، والطالب يخاف الذهاب لمدرسته والمريض يفضل العلاج في المستوصفات المتواجدة داخل المخيمات على أن يذهب للمستشفى خارج المخيم.
مّن هم؟
ويعتبر فاقدوا الأوراق الثبوتية الفئة الثالثة من فئات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث تراوح عددهم مابين الـ 4500 والـ 5000 فرد. وينتمي هؤلاء اللاجئون الفلسطينيون فاقدو الأوراق الثبوتية في لبنان إلى مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة حيث اجبروا على مغادرتها بعد هزيمة حزيران من العام 1967 واحتلال "إسرائيل" لما تبقى من فلسطين وبعض أجزاء من الأراضي العربية.
وقدم هؤلاء اللاجئون إلى لبنان في الأعوام 1967 أي بعد نكسة حزيران، بالتحديد في العام 1969 بعد اتفاقية القاهرة بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة اللبنانية والتي نظمت التعاطي والوجود الفلسطيني المدني والعسكري الفلسطيني في لبنان، وفي العام 1970 وتحديداً بعد أحداث ومعارك أيلول الأسود في الأردن لجأت المئات من العائلات الفلسطينية إلى لبنان هربا وخوفا من الانتقام.
وفي العام 1975 وما تلاها من أعوام تقاطر المئات من الشبان إلى لبنان للانخراط بصفوف الثورة الفلسطينية من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة وجزء منهم من الفلسطينيين القاطنين في الأردن، وبقوا واستمروا في العيش في لبنان وحتى بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت في العام 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي على لبنان.
خارج نطاق الحياة الإنسانية
فاقدوا الأوراق الثبوتية يعيشون في المجهول
يعيشون حياة قاسية جداً.. لا توجد لديهم أوراقاً ثبوتية تمكنهم من ممارسة حياتهم الطبيعية، ولا يتمتعون بأي اعتراف من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين( الانروا) وهي الجهة الدولية المكلفة من اجل مساعدة كافة اللاجئين الفلسطينيين وأينما تواجدوا.
ونتيجة عدم إعطاء الدولة اللبنانية الأوراق الثبوتية ونتيجة عدم منحهم الحماية من قبل (الانروا) كباقي اللاجئين نتج عدم قدرتهم على تكميل تحصيلهم العلمي، عدم تمكنهم من العمل، عدم تمكنهم من التنقل، عدم تمكن الشباب والشابات من تكوين اسر والزواج، وهكذا أصبحوا خارج نطاق الحياة الإنسانية البشرية وفق النظم والقوانين والمعايير المعاصرة التي تكفل للإنسان حقه في حياة كريمة.
ماذا بعد مؤتمرات..
إستكمالاً للحملات لمساندة اللاجئين الفلسطينيين فاقدي الأوراق الثبوتية في لبنان وللمطالبة بإنهاء مأساتهم واستكمال الاعتراف بالشخصية القانونية لهم، عقدت "المنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان" و"مركز التنمية الانسانية" بالتعاون مع "مؤسسة شاهد لحقوق الإنسان"، مؤتمراً صحافياً في نقابة الصحافة تناول خلاله ممثلو المنظمات المشاركة وضع اللاجئين الفلسطينيين من فئة فاقدي الأوراق الثبوتية، بحضور ممثلي البعثات الدبلوماسية وجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني
يقول "محمد الشولي"، وهو ممثل "مؤسسة شاهد لحقوق الإنسان": "إن القضية هي مأساة إنسانية يعيشها الآلاف من فاقدي الأوراق الثبوتية من اللاجئين الفلسطينيين حيث تزداد معاناتهم يوماً بعد يوم بسبب عدم إيجاد صيغة قانونية لتواجدهم على الأراضي اللبنانية والكثير منهم لا يستطيع التنقل من مكان إلى آخر، ولا حتى ممارسة أي مهنة تخفف عنه شظف الحياة وقسوتها، وآخرين لا يستطيعون الزواج ولا الإستفادة من خدمات الأونروا، كما يواجه الجيل الثاني من فاقدي الأوراق الثبوتية صعوبة التخرج من الجامعات والمعاهد ولا يمكنهم حتى المشاركة في نشاطات الحياة القانونية أو الإقتصادية العادية".
ويشير الشولي إلى الجهود التي تبذلها مؤسسات حقوق الإنسان والجهات الأخرى المعنية بهذا الملف من السلطات اللبنانية خصوصاً وزارة الداخلية حيث واجهتها صعوبات وعراقيل تحول دون إيجاد حل وصيغة قانونية لهذه الشريحة الكبرى من اللاجئين الفلسطينيين.
رسالة للحكومة اللبنانية
وفي رسالة إلى الحكومة اللبنانية قالت المؤسسات الحقوقية :نتمنى عليكم القيام بأسرع وقت لإيجاد حل عادل لقضية الإخوة اللاجئين الفلسطينيين الفاقدي للأوراق الثبوتية المقيمين قسراً في لبنان ونحن نشعر بالحزن والأسى لوضعهم في لبنان دون الاعتراف من قبل الجمهورية اللبنانية بحقهم في العيش بكرامة وبحقهم في الاعتراف بشخصيتهم القانونية، كما ويراودنا قلق عميق له مبرراته التي لم تعد خافية على أحد بشأن المتاجرة بقضيتهم وحرمانهم من أبسط الحقوق التي كفلتها القوانين والمواثيق الدولية، كما ونحن ندرك بأن الجمهورية اللبنانية هي الرائدة بين الدول للتشجيع على حماية الإنسان وحقوقه .
وأضافت الرسالة :لذلك نرى أنه مما لا يقبل التأجيل أن يتم التنسيق بين الحكومة اللبنانية وممثلية منظمة التحرير الفلسطينية لإيجاد حل لهذه الفئة المهمشة لحقوقها في لبنان.إن مبدأ وجوب حماية حقوق الإنسان يدخل في صميم القانون الدولي. لذلك ندعوكم إلى القيام بكل ما يلزم للاعتراف بالشخصية القانونية لهم وحقهم في الحياة والعيش بكرامة.
فيما بعثت المؤسسات برسالة أخرى لرئيس الجمهورية جاء فيها "نتوجه إليك، بإسم حقوق الإنسان، جمعيات وأفراداً، من أجل لفت انتباهكم، إلى أن ما تشهده قضية اللاجئين الفلسطينيين فاقدي الأوراق الثبوتية في لبنان المهمشين لأبسط الحقوق وهو الحق في العيش بكرامة والحق في التنقل، وهذا يشكل طعنة للبنان الذي كان سباقا في وضع مداميك عصبة الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان".
واضافت الرسالة :"إننا نخاطبكم يا فخامة الرئيس ومن موقع المسؤولية المعنوية كمدافعين عن حقوق الإنسان ، ويأتي توقيت رسالتنا وعيون هذه الفئة من اللاجئين الفلسطينيين تتجه إليكم لتناشدكم بالتدخل العاجل لإنصافهم ومنحهم حقوقاً حرموا منها سابقاً".. هذا ما تقوله الرسالة الموجهة إلى الرئيس اللبناني، وموقعة من قبل مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية.
إلى متى؟
يبقى السؤال متى يمنحون اوراقا ثبوتيه؟
الكل فقد وطنه ومع وطنه هناك من فقد عينه أو ذراعه أو قدمه أو أولاده ولكن أكثرهم معاناة من فقد كل هذا ومع كل ما فقده لا يعرف من هو الآن لأنه لا يمتلك ما يسمى بالأوراق الثبوتية … وإلى أي أرض يذهب…. هؤلاء الناس الذين يعانون منذ أكثر من أربعين عاماً مضت وحتى الآن هم في قفص من حديد… لا يستطيع أحدهم من ذكر أو أنثى حتى أن يتجول لمتر واحد وممنوع عليه أن يتزوج أو يتعلم أو ينجب الأطفال وكل شيء عليه ممنوع إلا الطعام الذي حتى قد لا يستطيع الحصول عليه.
وحتى الآن فإن اللاجئين فاقدي الأوراق الثبوتية يعانون الكثير والكثير والكثير من المشاكل وهم مقيدو الحركة بالإضافة إلى صعوبة الاستفادة من خدمات الأونروا والرعاية الصحية وصعوبات تليها صعوبات حيث يواجه الجيل الثاني منهم العقبات في التخرج أو الانتماء أساساً إلى المدرسة وإن دعمهم أحد بالدخول إليها لا يستطيع أحد أن يساعد بعضهم في الدخول إلى الجامعة كما لا يستطيع أيضاً أن يساعدهم في مواضيع الزواج لا إن كان شاباً أو شابة وهذا الموضوع بالذات له التأثير الأكبر في نفسيتهم التي باتت تتراجع إلى الوراء.
فممنوع عليهم أن يمرضوا أو حتى أن يتجولوا في أي مكان خارج المخيمات أو أن يمتلكوا أي شيء يمتلكه الناس لأنهم كما يقولون عنهم أنهم غير شرعيين في البلد فأصبح معظم الناس الذين لا يمتلكون أوراق يعانون من مشاكل نفسية واضطرابات لأنهم معزولون عن المجتمع بشبه شكل كلي وليس جزئي.
ويبقى السؤال الى متى! إلى متى سيبقى انسان من لحم ودم يملك مشاعر وأحاسيس وقلب نابض يقاس بورقة يسمونها بالثبوتية؟ ذلك الفلسطيني يملك هوية زرقاء وذلك اللبناني يملك هوية بيضاء أما فاقدها لا يهمه لونها أو حجمها أو حتى شكلها كل ما يعنيه في الموضوع أنها الإثبات الوحيد على صدقه عندما يقول اسمه وبياناته.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=74770
