في اليمن..معاق: اعاقتي حفزتني على ‏التحدي وإثبات ذاتي

ارشيفية

لم تمنعه الإعاقة من أن يكون عضوا فاعلا ومتميزا ‏في مجتمعه, تلقى تعليمه (قراءة القرآن وأبجديات ‏الكتابة) في أربعينيات القرن الماضي، وهو لم يتجاوز 7 أو8 سنوات، والتحق ‏بمدرسة الأحمدية في تعز، وأصبح بعدها موظفا في ‏مصلحة الجمارك.‏
محمد أحمد أمين قاسم العبسي (من محافظة تعز اليمنية)، ‏معاق حركيا، اعتبر إعاقته شرفا ووساما منحه إيّاها ‏سبحانه وتعالى، وأعطته حافزا للعيش والاهتمام ‏بالتعليم منذ سن مبكِّرة.‏

المعاق النشيط المبدع

وصفه عدد ممن عرفوه صغيرا وكبيرا بـ"المعاق ‏الطموح والحنون ومحب الخير للجميع"، الذي لم ‏يستسلم للإعاقة بالرغم أنه بداية مشوار حياته كان ‏يستعين بيديه في السير، فيلتقي بأصدقائه ويلعب معهم ‏ويمارس مهنة الصيد (صيد الأوبار) في الأودية, ‏وحصل بعدها على وظيفة رسميّة أثبت جدارته فيها, ‏موضحين أنه إلى اليوم يزور أقرباءه، وكل من يعرفهم ‏ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم؛ قاهرا كل ظروف ‏الإعاقة.‏
وفي السياق ذاته يصفه أحد معلميه -عبده محمد ‏الجبح- بالمعاق النشيط والمبدع, وقال: "كنت أعجب ‏كثيرا من قدرته على تلقِّي المعلومات وأسلوبه الراقي ‏والممتاز في التعامل مع الآخرين وبشكل لا يتصوّره ‏أحد، بالرغم من صغر سنِّه حينها، والذي لا زال كما ‏هو، بل وأفضل حتى اليوم".‏
المواطن محمد أحمد أمين, 65 عاما، أب لخمسة أولاد ‏وأربع بنات، قال: "إعاقتي لم تمنعني من شيء, وكانت ‏حافزا لي على تحدِّي وضعي وإثبات ذاتي, تعلمت ‏القراءة والكتابة على أيدي عدد من الفقهاء (مقبل سيف ‏وعلي جازم الفقيه وأحمد عثمان حميد -رحمة الله ‏عليهم) وكانت تنقلني إلى قراهم والدتي وخلال الإجازة ‏كنت أرافقها إلى قرية المشاوز، عند جدتي (ثلج أنعم) ‏أم والدتي -رحمة الله عليهما- والتي كانت ترافقني ‏إلى منزل عبده الجبح ليعلمني -أطال الله في عمره- ‏وحينها كنت لا زلت أمشي على اليدين، حيث لم أكن ‏أملك أي وسيلة من الوسائل الحديثة التي تساعد ‏المعاقين حركيا, بعدها أرسل لي خالي علي مقبل ‏الدقيمي -أطال الله عمره- عصيان (عصي) من عدن ‏ساعدتني على السير، كما تكفل أيضا بالإنفاق عليّ ‏وعلى والدتي؛ كون والدي توفي وأنا في سن صغير".‏

محطات ورهينة للإمام

في خمسينيات القرن الماضي مرّ محمد بتجربة حياة ‏أثبت فيها جديته وعزيمته على تحدِّي الإعاقة, وذلك ‏عند ما أرسله جده الشيخ أمين قاسم -رحمه الله- إلى ‏تعز، ضمن أربعة رهائن، فرضوا على مشايخ المنطقة ‏والمناطق المجاورة من قبل الإمام, وبرز حينها ‏اعتراض عُقّال القرية على إرساله كرهينة؛ نظرا ‏لإعاقته، لكن والدته أصرت على إرساله، وهو ما تم، ‏واستمروا رهائن لمدة ثلاثة أشهر, وتوفّر له حينها ‏حضن دافئ لدى المرحوم أحمد عمر العبسي (صاحب ‏أستوديو أحمد عمر -رحمة الله عليه- والذي ساهم في ‏التحاقه بالتعليم في المدرسة الأحمدية بتعز إلى جانب ‏احتضانه وبقية أصدقائه، وأستمر في الدراسة لمدة ستة ‏أشهر.‏

قصته في الجمارك

وفي وقت لا حق مر محمد بتجربة أخرى في مواجهة ‏الإعاقة، حيث سافر إلى مدينة عدن، وهناك لقي حضنا ‏دافئا لدى خاله، واشترى له مكينة خياطة وكميّة من ‏القماش، على حين تكفل أولاد عبد الرحيم عثمان ‏بتدريبه الخياطة عليها, انتقل بعدها إلى العمل في ‏القرية, كل ذلك كان قبل ثورة 26 سبتمبر، أما بعد ‏الثورة فكان له شأن آخر مع الإعاقة، وفي هذه ‏المرحلة بدأ الخوض في مضمار آخر هو العمل في ‏الجمارك, ففي منطقة "المفاليس" القريبة من مسقط ‏رأسه، والتي كانت في تلك الفترة نقطة عبور بين ‏شمال اليمن وجنوبه (جمرك)، بدأ محمد مشوار عمله ‏حيث كان عمّه منصور أمين يعمل هناك أمينا ‏للصندوق، وكان محمد يساعده ويقوم بعمله أثناء ‏سفره, وبعد ما اشتدت مشاكل الجبهات في الجنوب ‏تضاعف العمل في الجمرك، وأوكلت إلى محمد مهمة ‏كاتب اليومية والمحاسب، وأمين الصندوق، وهي بداية ‏تعيينه في عمل رسمي، وبالتحديد بعد إشراف الشيخ ‏محمد عبدالجليل -رحمه الله- على الجمرك لمدة شهر، ‏والذي نقل أخبار محمد للمُدراء في تعز، وساهم إلى ‏جانبهم في حصوله على أمر تكليف بالعمل في جُمرك ‏المفاليس التابع لمصلحة الجمارك. ويصف محمد تلك ‏الفترة بـ"أسعد أيام حياته"، حيث لم يكن يتوقع ذلك، ‏وقد رافقه في سفره إلى منطقة "الراهدة" لاستلام أمر ‏التعيين في العمل الشيخ عبد الحق عبد الجليل.‏
وأثنى المعاق محمد أحمد على أسرته لمساعدته ‏ووقوفهم بجانبه وتحملهم أعباء رعايته، حتى أصبح ‏عضوا متميزا في مجتمعه, وكذا كل من ساهم في ‏مساعدته من أصدقائه وزملائه في العمل وخارج ‏العمل.‏
منوها إلى أن "لا إعاقة مع العزيمة والإيمان بالله"، ‏وأنه على المجتمع والأسر أن تعي كيفية جعل المعاق ‏عضوا فاعلا ومنتجا.‏
وتقلّد محمد(المتقاعد حاليا) ما يقارب 16 منصبا في ‏مصلحة الجمارك، متنقلا ما بين جمارك "المفاليس ‏وحرض والخوخة والكدم وصنعاء والبقع وتعز", ‏آخرها تعيينه مسؤول البوابة بجمرك المخاء، في 27 ‏فبراير 1999.‏
 
عن سبأ نت