الحرب لا تزال في مخيلة من عاشوها – أرشيفية
كان الألم يعتصر ذاكرته في ليلة ارتسم فيها شعاع ضوء القمر على ركام المنازل في منطقة جبل الريس شرق مدينة غزة، وصورة المشاهد الدامية التي دارت في المكان خلال الحرب بقيت حية في مخيلته.
يسير الثلاثيني إسماعيل الجرو بخطوات بطيئة ذهابا وإيابا أمام بقايا منازل عائلته المدمرة يسترجع بذاكرته عام مضى، مستذكرا أيام عصيبة قضاها تحت النيران ولم يغادر المكان إلا قبل انتهاء الحرب بثلاثة أيام.
كان الجرو يراقب تحركات الاحتلال والمقاومة من الطابق الرابع في منزله طوال تلك الفترة.
وكأن شريط الذكريات عاد بسرعة عندما بدأ يشير الجرو بأصابعه الى مكان توغل آليات الاحتلال من الجهة الشرقية وتمركزها على جبل الصوراني ومن ثم الريس ، حيث اشتد وطيس المعركة ودب الرعب في نفوس الأطفال حينها غادرت نصف العائلة المكان فيما بقي إسماعيل برفقة عدد من عائلته في المنطقة قبل أن يلحقوهم في الأيام الأخيرة من الحرب.
وسرد الجرو حادثة إصابة مقاوم في قدمه حاول الزحف تجاه منزل الطبيب عوني الجرو عله يسعفه إلا أنه لم يتمكن من الوصول عندما اشتدت عليه الآلام وبقي بجانب المسجد حتى فارق الحياة .
وقد أسعفت خزانات المياه المتواجدة في الطابق الأرضي من المنزل عائلة الجرو الذين اعتمدوا عليها بعدما تعمدت قوات الاحتلال اختراق الخزانات التي تعتلي المنزل بالرصاص.
لكن المعضلة الأكبر التي واجهت من تبقى من أفراد العائلة في مكان التوغل انقطاع الكهرباء والهواتف حيث لم يتمكنوا من التواصل مع أقاربهم في الخارج.
ولم تسلم منازل العائلة المتلاصقة من قصف قوات الاحتلال وتضررها بشكل كبير قبل مغادرتها.
آلة الحرب الاسرائيلية دمرت عدد من الأحياء بشكل كامل- أرشيفية
الحادثة المؤلمة التي أجبرت جميع أفراد العائلة من مغادرة المنطقة تمثلت في استشهاد "البينا " زوجة الدكتور عوني الجرو الأوكرانية الأصل مع طفلها ، حيث تقطعت جثتها أشلاء تناثرت في المكان فيما وجدوا جمجمة طفلها بجانب الحائط اثر قصف منزلهم بقذائف المدفعية.
بعد المشاهد المؤلمة وفقدان العائلة لشهيدين كان القرار بترك المكان في الأيام الأخيرة للحرب حيث هرعوا من المنزل رغم خطورة الأجواء حتى تمكنوا من الانتقال للمدينة وإسعاف المصابين.
ثلاثة أيام فقط فصلت بين خروج العائلة وانتهاء الحرب، لكن ساعة العودة كانت صعبة كما يصفها إسماعيل وذلك بعدما وجدوا منازلهم أثر بعد عين وقد دفنت بين الرمال بجميع محتوياتها، وتحول "لرماد".
ويقول الجرو " عندما عدنا "سحرونا بالكابونات" رغم أن منطقة الجرو تحتوي على اثنين وأربعين منزلا دمرت بالكامل ، مشددا على أن المبالغ التي حصلوا عليها لم تكف لشراء ملابس وعفش لأفراد العائلة حيث غادروا المنزل بملابسهم التي يرتدونها فقط.
ويشير الجرو الى أن قرار عدم مغادرتهم المكان لحظة بدء العملية البرية كان بناء على تجاربهم السابقة حيث لم تتعرض لهم قوات الاحتلال بأذى ، لكن خلال أيام الحرب كان الأمر مختلفا.
لجأ الجرو كغيره من المتضررين لاستئجار منزل للعيش مع أسرته ، وذلك بعدما أجهزت قوات الاحتلال على مصدر رزقه عندما أجهزت على مزرعة للأبقار وسيارة خاصة به ، واضطر للعمل سائقا على سيارة بالكاد توفر حاجة أبنائه اليومية.
جبل الريس شاهد على جرائم آلة القتل الاسرائيلية
تفرقت عائلة الجرو التي كانت تعيش في منازل متقاربة ، وبات كل منهم يعيش في شقق مستأجرة في انتظار من يتطلع الى معاناتهم ويعيد اعمار منازلهم المدمرة .
ولا زالت آثار الحرب ترخي بظلالها على أطفال عائلة الجرو حيث لاحظ والدهم تراجع في تحصيلهم الدراسي ، وتسيطر مشاهد الحرب ومتابعة الأخبار السياسية على تفكيرهم ، كما لجئوا لألعاب قتالية تحاكي أيام الحرب .
وزارت مؤسسات دولية منطقة جبل الريس عقب الحرب وكشفت عن تعرضها لقذائف فسفورية ، كما أن الجرو أخرج من منزله المدمر ثمانية عشر قطعة من بقايا الالغام المستخدمة في عملية التفجير.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=74944
