ممارسات المستوطنين تقتل الحياة في شارع الشهداء
ذكريات ما زالت عالقة بذهن "زليخة محتسب" من سكان شارع الشهداء في البلدة القديمة في مدينة الخليل..
مرت سنين طويلة اشتاقت فيها زليخة المشوار الذي كانت تقطعه من والى جامعتها.. كما هو شوقها لسماع صوت الباعة وضحكات الأطفال وهم يلهون بين أزقة البيوت.. والسير ليلا في طريقها إلى المنزل والأمان الذي كانت تشعر به في تلك الأيام.. كل ذلك تأوهته زليخة بحرقة وألم.. تنهدات طويلة عبرت بها عما مرت به مدينة خليل الرحمن.. فاختلفت حياتها بعدما أتى الغرباء بلباسهم الأسود وقبعاتهم وجدائلهم واحتلوا وطردوا سكان المنطقة.
من ذلك التاريخ بات لذكريات زليخة لون آخر..اعتلى الشارع الذي تسكنه ومدينتها ومسجدها.. حتى الهواء الذي تتنفسه بات مقيدا وملوثا.. فلم تعد قادرة على سماع صوت آذان الفجر ولا ارتشاف قهوتها على شرفة منزلها ولا حتى ألقاء تحية الصباح على جيرانها.. من ذلك التاريخ الذي احتل به المستوطنون منطقتها وأغلقت قوات الاحتلال شارعها.
معاناة مستمرة
تروي المحتسب لـ"نافذة الخير" عما حل بمنطقتها بعد احتلالها من قبل المستوطنين وإغلاق شارع الشهداء الذي تقطنه، بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف عام 1994ن حيث قامت قوات الاحتلال بوضع ثكنات عسكرية، ومنذ ذلك التاريخ بدأت قوات الاحتلال بالتزامن مع المستوطنين بوضع اليد على أجزاء كبيرة في منطقة البلدة القديمة وبالقرب من الحرم الإبراهيمي، حتى قامت بالإعلان عن إغلاق شارع الشهداء وسط المدينة.
تضيف "المستوطنة تبعد عن بيتي 300 متر وهناك بؤرة استيطانية وبداخلها معسكر للجيش ومن الجهة الأخرى مدرسة دينية أطلقوا عليها " بيت رومانو" بعد طرد طلبة المدرسة الأصلية وهي مدرسة أسامة بن منقذ".
وفي العام 2003 تم اغلاق الشارع بشكل رسمي ومنعوا حتى المشاة من مروره وقاموا باغلاق المنازل وأقفلوا أبوابها وطردوا العديد من السكان.
وعن الصعوبات التي يواجهها السكان، تقول المحتسب :"كنا نتنقل عبر الأسطح والأبواب الخلفية للمنازل للوصول إلى الشارع الفرعي".
وتتابع بالقول "مع نهاية عام 2006 وبضغط من المؤسسات الحقوقية والالتماس الذي قاموا بإيصاله لمحكمة العدل العليا بفتح الشارع، قررت المحكمة بفتح الشارع من جديد أمام المواطنين الفلسطينيين إلا أن ذلك لم يستمر، فبعد عشرة أيام من فتحه أعيد إغلاقه تماما، وكان دخولنا للمنازل عبر تصاريح تجدد كل ثلاثة أشهر وبعد فترة تم إغلاقه ولم يكن هناك حماية لنا، وكان تنقلنا بعد ان قام الجيران بفتح أبواب من جدران منازلهم".
مضايقات متنوعة
وتضيف المحتسب، ازداد الوضع صعوبة وكان المواطنون يتعرضون لعنف يومي واعتداءات ومضايقات من قبل المستوطنين وهجرت العديد من العائلات، فالشارع كان يضم حوالي 500 عائلة واليوم هناك 50 عائلة، ومنطقتي فيها خمس عائلات بعدما كنا العشرات.
وتبدي المحتسب غضبها مما تتعرض له العائلات المتبقية، حيث تمر تلك العائلات بظروف نفسيه متدهورة، خاصة أن شبابيك منازلهم وضع عليها شبك من حديد لحمايتها من الحجارة والأوساخ والقاذورات التي يلقيها المستوطنين.
وبصوت أرهقته اعتداءات المستوطنين ولم تثنيه عزيمة الصمود تقول المحتسب " إذا السمك بطلع من الميه أنا بطلع من داري، هاد بيتي وما بطلع منو إلا على قبري".
شلل تام
من جانبه، يوضح هشام شرباتي، الناشط في تجمع شباب ضد الاستيطان، أن شارع الشهداء يعتبر قلب المدينة النابض وهو الشارع الأهم فيها، وأدى إغلاقه إلى قطع أوصال المدينة بعضها عن بعض، خاصة أحياءها الجنوبية عن الشمالية، وإلى شل الحركة التجارية فيها، حيث تغلق قوات الاحتلال ما يزيد عن 500 محل تجاري بأوامر عسكرية وبشكل متواصل منذ نهاية عام 2000.
كما يوضح ان ممارسات الاحتلال القمعية أجبرت أصحاب أكثر من ألف محل تجاري آخر على إغلاق محلاتهم في البلدة القديمة، فيما يقطع أوصال المدينة نحو مائة حاجز عسكري وبوابة وطريق مغلق من قبل قوات الاحتلال.
ويبلغ امتداد طول الشارع-كما أشار الشرباتي- حوالي 8-9 كلم، فهناك شوارع فرعية منه مغلقة ويصعب التنقل فيها بحرية ويمنع على المواطنين دخوله بمركباتهم، ناهيك أن جزء من شارع الشهداء يمنع على المواطنين الحركة به مشيا على الأقدام مما أدى إلى تهجير العائلات الفلسطينية التي تقطن المنطقة، ومن تبقى هناك عشرات فقط يتنقلون عبر أسطح منازلهم، ويتعرضون لمختلف المضايقات والاعتداءات على مرأى من قوات الاحتلال.
وذكر الشرباتي أن عدد المستوطنين يبلغ حسب مصادر إسرائيلية محايدة حوالي 500-600 مستوطن، فيما يذكر المستوطنون أنفسهم بأنهم حوالي الألف، وهناك حوالي 250 مستوطن يدرسون بمدرسة دينية، ناهيك عن عشرات الحواجز المنتشرة بالبلدة القديمة، كما ويتواجد فيه 6 بؤر استيطانية، وذكر تقرير لـ"اوتشا" مكتب منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية من وجود 100 حاجز بالمنطقة.
محاولات الصمود
وأضاف الشرباتي، أن هناك محاولات فلسطينية لإعمار البلدة القديمة في مدينة الخليل، وإعادة ترميم المنازل المهجورة بالبلدة القديمة وتشجيع الفلسطينيين على السكن بالبلدة القديمة من خلال بعض إشكال الدعم كالإعفاءات بفواتير الكهرباء والماء بالبلدية، ومنحهم تامين صحي مجاني حكومي، بالإضافة إلى الإعفاء الضريبي للمحلات التجارية وتلقيهم بعض المساعدات المالية من الرئاسة الفلسطينية.
ويذكر عن استمرار حشد الدعم من اجل فتح شارع الشهداء من خلال المسيرات التي ينظمها تجمع شباب ضد الاستيطان، وحول ذلك يقول الناشط في التجمع أن هدف نشاطاتهم الأسبوعية هو تسليط الضوء على قلب الخليل النابض، فالفلسطينيون محرومون من الوصول له، ووجود الاغلاقات بالمدينة حولت حياة 200 ألف فلسطيني من سكان المدينة إلى جحيم، وأثرت على كافة سكان المحافظة فمحطة الباصات المركزية والحسبة كانت هناك مما شل حركة المدينة وحياتها.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75062
