ثورات الشعوب لتحسين واقعهم الانساني
هناك فرضية تقول بأن غياب العدالة في المجتمعات يؤدي إلى حضور فكرة العمل الخيري، فإذا تحققت العدالة فإن الحاجة إلى العمل الخيري لن تكون بنفس الدرجة. وفي ظل الأحداث الحالية، التي تسعى فيها الشعوب لتحقيق مطالبها في عيشة كريمة، والحصول على عدالة اجتماعية،
وفي ظل ما تشهده انتفاضة الشعوب العربية فإن القضية التي تطرح حول إمكانية اختفاء الجمعيات الخيرية الخليجية، و الاعتماد على الزكاة فقط، كما حدث في عهد الخلفاء الراشدين، من خلال بيت المال.
شقان للعمل الخيري
في البداية، يوضح سعد العتيبي ـ مساعد الرئيس لشرق أفريقيا بالأمانة العامة للعمل الخيري، التابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي الكويتية ـ أن العمل الخيري له شقَّان اثنان: العمل الخيري الحكومي، و العمل الخيري الأهلي. والقسم الحكومي له أهدافه وغاياته. أما فيما يخص العمل الخيري الأهلي، فقد دخل كعمل مؤسسي في بداية الثمانينات من القرن الماضي الميلادي.
ويضيف "نحن في جمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت نعمل في العمل الخيري بشكل متخصص منذ 27 سنة، ونعمل الآن في ثلاث قارات (آسيا وأفريقيا وأوروبا). وينقسم العمل لدينا إلى أربعة قطاعات، من ضمنها القطاع العربي. ولنا مكاتب تابعة للجمعية في كل من (فلسطين ولبنان واليمن والمغرب وموريتانيا وجيبوتي والسودان). والجمعية تريد التوسع في باقي الدول العربية، ولكن بعض الأنظمة والحكومات العربية تمنع وجودنا لاعتبارات أخرى.
ويقول: بالرغم من ذلك، أتوقع في ظل الظروف الراهنة وأرى أن الجمعيات الخيرية الخليجية في المجتمعات العربية ستكون أكثر فعالية في ظل الأحداث الحالية؛ لأن الحال السابق قد وضع قيودا على تلك الجمعيات الخيرية؛ مما جعلها تقلل من تواجدها في الدول العربية. ويعتبر هذا التغيير في صالح العمل الخيري، خاصة أن مؤسسات العمل الخيري قد وصلت للعالمية، حيث تعمل جمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت في ثلاثين دولة في أنحاء العالم؛ مما يعني سهولة التواجد في الدول، خاصة أنها أقرب، وتستعمل نفس اللغة، والتواصل معها أسهل من التعامل مع الدول الأخرى".
ويضيف العتيبي: إن مبدأ الصدقة لها بعد ديني لدى المسلمين، فهم يتقربون إلى الله بتلك الصدقات، والزكاة ـ أيضا ـ هي فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركانه، ولو أن تجار المسلمين أدوا زكاة أموالهم لأحسسنا بالفرق الواضح للمحتاج، لكنها لا تحسب ـ فقط ـ بأن يؤدي التاجر زكاة ماله، وإنما هي منظومة عمل كاملة، تبدأ بالتبرع، مروراً بالعاملين في العمل الخيري بكفاءة وأمانة، منتهية بالمحتاج الذي يجب أن يتم صياغته مرة أخرى بإدماجه في سوق العمل، وعدم تعويده على الدعم الكامل، خاصة لمن له القدرة على العمل. و " لذلك، أجد أن فكره بيت المال تكون بشكل نظري صحيحة..
ويختم بالقول :"لكن عندما نتحدث عن التطبيق العملي، فهي تحتاج لمقومات نجاح، منها وضع قوانين واضحة تنظم العمل في بيت المال. وفكرة البيت موجودة ومطبقة في بعض البلدان، من ضمنها بيت الزكاة الكويتي، وهي مؤسسة حكومية مستقلة، تعمل في الكويت وخارجها. وللفكرة إيجابيات وسلبيات، وهي تستحق الإشادة، ولكن لا يمنع من النقد والتطوير".
انقلاب اقتصادي
بدوره يرى الدكتور أسامة صالح حريري – أستاذ الإعلام بجامعة أم القرى- أن إعادة فكرة بيت المال ستكون انقلابا اقتصاديا، وجدير بمنظمة البنك الإسلامي أن تقوم بهذا المشروع؛ لأنه سيقضي على جذور الإرهاب، وكافة مشاكل ونتائج الفقر، الذي استجار منه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ. فمشاكل الفقر عديدة، منها الاجتماعي، والسياسي، والنفسي، والأسري.
ويوضح أن مشاكل الفقر في أي دولة تؤثر على بقية الدول؛ لذلك يجب أن تقف للفقر مظلة دولية، وأكبر مظلة في العالم الإسلامي هي منظمة المؤتمر الإسلامي، فالجمعيات الخيرية مجرد ترقيع ومساعدة على استمرار الفساد. فالفساد الإداري يستمر دون أن توقفه الدول. ونتيجة للفساد الإداري تحصل أزمات. مَنْ يقف لحل هذه الأزمات سوى الجمعيات الخيرية؟ دون علاج للفساد، ونحن إذا لم نحارب الفساد، ودعمنا الجمعيات الخيرية فقط، كأننا ندعم الفساد. لذلك؛ يجب أن يكون هناك بيت مال للمسلمين، وليس بيت مال المجتمع. وبيت مال المسلمين يتم استقطاعه من موارد الدولة، وليس من الشعب".
ضرورة الابتكار
ويختلف معه الإعلامي التونسي نور بن زيد؛ إذ يرى أن التاريخ لا يعود إلى الوراء، فمن الضروري البحث عن ابتكارات وحلول جديدة لأزمات العالم العربي. لذلك؛ يجب أن تأخذ من الماضي أسسا لبناء مستقبل سياسي واقتصادي واجتماعي، في إطار الاقتصاد العالمي، لديه القدرة على الفعل ورد الفعل. والبداية تكون من الدولة ومؤسساتها ومجتمعاتها.
أهمية الجمعيات القطرية
ويؤكد حسن الشايب – إعلامي بقطر ـ أن "الإسلام عُرف عنه حضه على عمل الخير بمختلف أوجهه، ومنها إخراج الزكاة والصدقات كصورة من صور التكافل الاجتماعي، الذي يغني المحتاجين المتعففين عن سؤالهم الناس إلحافاً..
ويضيف أنه مع تطور الحياة، وزيادة أعداد السكان في مختلف أنحاء العالم، وارتفاع نسبة الفقراء والمحتاجين؛ ظهرت أوجه كثيرة لأعمال الخير، ومنها الجمعيات الخيرية، التي تتولى جمع الزكاة والصدقات والتبرعات؛ لتقوم هي بمعرفتها بإعادة توزيعها على المحتاجين. ولقد تعرضت الجمعيات الخيرية ـ بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م بالولايات المتحدة الأمريكية ـ للتضييق، والضغوط الهائلة لوقف أنشطتها والحد من وجودها؛ بحجة مساهمتها في تهريب الأموال إلى الجماعات الإرهابية.. ولكن لا تزال كثير من هذه الجمعيات تؤدي دورها المنوط بها تحت عين وبصر حكوماتها؛ ذلك لأن تعقيدات الحياة، وتفاقم مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية، يزيد من أهمية هذه الجمعيات للشعوب المحتاجة.
ويوضح انه مع ما تشهده المجتمعات العربية ـ مؤخراً ـ من تغييرات سياسية كبيرة من المتوقع أن تنعكس على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى الأفضل، إلا إن ذلك لن يحقق العدالة الاجتماعية الكاملة، وبالتالي فلا غنى عن استمرار وجود هذه الجمعيات الخيرية، خاصة وأن كثيراً منها يقدم مساعداته لشعوب الدول الأخرى خارج نطاق الدولة القُطرية، وبالأخص عند حدوث الكوارث الطبيعية والإنسانية.
ويتابع بالقول :في رأيي .. لا يمكن الاعتماد على الزكاة فقط؛ حيث لا يؤدي هذه الفريضة، التي هي ركن أساسي من أركان الإسلام، كل من تجب عليه.. ولن نصل إلى حالة التدين والالتزام التي كان عليها المسلمون الأُوَل في عهد الخلفاء الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ حتى نفعل ذلك.. كما لا أعتقد أن العصر الذي نعيشه يمكن أن ينفع معه عودة تطبيق فكرة بيت المال؛ لأنه لو حدث ذلك سنجد من ينهب أموال بيت المال، في ظل مجتمعات اختلط فيها الحابل بالنابل، وانتشر الفساد بين كثيرين من المسؤولين عن شؤون الأمة.
دعم للجمعيات
أما الأستاذ خالد الخلف ـ رئيس منظمة "حقوق إنسان" في دولة الإمارات العربية، فيعتقد أنه لا يـسـتطـيع أحد إلغاء الجمعيات الخيرية؛ لأن المجتمع بحاجة دائمة لهذه الجمعيات التي تعنى بالشأن الإنساني الخالص، وهي من أساس تكوين المجتمعات الحرة والمتطورة. لذلك؛ يجب على كل الحكومات الجديدة أو الموجودة سابقا، والتي تنتهج الديمقراطية، وتقوم على حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة، يجب عليها إيجاد طرق لدعم الجمعيات الخيرية، وجعلها ـ كما حالها في الغرب ـ عنصرا أساسيا من تكوينات مؤسسات المجتمع المدني. وفي ظل التطورات على الساحة العربية ستعاني الشعوب العربية في بداية الأمر قليلا، إلا أنها ستصل إلى مبتغاها عما قريب من حياة كريمة، واكتفاء واختفاء للبطالة والأمية والتهميش، ومكافحة الفقر..
ولذلك؛ فإن فكرة وجود جهاز مشابه لبيت المال هو الحل ـ باعتقادي ـ لأغلب مشاكل المجتمع المتعلقة بالفقر والنهب والسلب، الذي يقوم به المسؤولون الفاسدون".
العمل الخيري تحكمه الأحزاب
أما أحمد أبو الريش ـ ناشط بالعمل الخيري ـ فيرى أن دور الجمعيات والمؤسسات بدأ يتلاشى؛ بسبب بعض الأنظمة، والتدخلات في شؤون الجمعيات. "فمثلا، أنا قمت بتأسيس جمعية خيرية غير حزبية في غزة لخدمة المهمشين من أبناء غزة. كانت النتيجة هي المضايقات. ومن هنا بدأ دور المؤسسات والجمعيات في الاختفاء في فلسطين.
ويضيف :"أعتقد أنه من الممكن أن تختفي من بعض الدول. و لا يمكن الاعتماد على الزكاة في وقتنا الحالي؛ لأنه لا يوجد تشريعات ولجان زكاة موحدة، فالناس يفضلون إعطاء زكاة أموالهم بأيديهم وتوصيلها لمستحقيها. وأتصور أنه لو وجد بيت الزكاة الخيري على مستوى كل دولة، وفرضت الزكاة على الجميع، فسيكون ذلك أفضل شيء تقوم به الدول للقضاء على الفقر والبطالة. لذلك؛ فإن فكرة بيت المال من أفضل الحلول التي يجب أن نعمل بها؛ لأنها تحفظ أموال المسلمين".
أهداف زيادة الجمعيات الخيرية
ويرى عبد العزيز طارقجي ـ المدير التنفيذي لجمعية راصد – مكتب لبنان ـ أن الجمعيات الخيرية ستزيد في المرحلة المقبلة لعدة أهداف، أهمها:
– التدخلات السياسية في المجتمع الآن ترتكز على الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، وخاصة الخيرية.
– السياسيون سيحاولون استغلال هذه الظروف عبر إنشاء أكبر عدد ممكن من المؤسسات والجمعيات الخيرية في منطقتنا العربية .
– الجمعيات والمؤسسات الخيرية أثبتت أن لها دورا فعالا وكبيرا في أرض الواقع بين الناس، لا سيما بين الفئات المهشمة والفئات الشعبية.
– ستحاول الأجهزة المخابراتية التابعة للحكومات، محلية أو دولية، أن تلعب دورا كبيرا في محاولة تقديم المنح والمساعدات المالية لإنشاء جمعيات خيرية وإنسانية في منطقتنا العربية؛ من أجل تكثيف جهودها من أجل مراقبة التغيرات والشارع العربي بشكل عام.
و"لذلك أعتقد أننا سنشهد تناميا أكبر للجمعيات؛ لأنها ـ وللأسف ـ أصبحت تُستغل لأغراض غير اجتماعية. وهنا لا أقصد الجميع، البعض فقط، أو يمكن القول: الأغلبية من بين الجمعيات. وبالتالي لا يمكن أن ننظر للتاريخ في تلك الأيام، لا سيما في الجمعيات والمؤسسات الخيرية والإنسانية، وكمجتمع مدني بشكل عام، حتى إن مفهوم الزكاة أصبح مهمشا كلياً في بعض المجتمعات العربية.
ويختم بالقول :"لذلك؛ يجب أن نقيم حركة نهوض وإصلاح في الدول العربية والحكومات والمؤسسات، وأن نبني جمعيات خيرية متينة، أسسها القيم والمبادئ، وفي حينها نستطيع أن نقول إننا نملك مؤسسات اجتماعية محايدة، ذات مصداقية. ولذلك؛ أنا لا أؤيد هذه الفكرة أبدا؛ والسبب أن العالم قد تطور. ولكن، إن أردت أن تعيد فكرة بيت المال، عليك أولا إلغاء البنوك والمؤسسات المالية والاستثمارية، وهذا لن يحدث أبدا".
المصدر: المركز الدولي للأبحاث والدراسات – مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75236
