آسيا الوسطى سوق خصب للتمويل الإسلامي

 

بعد تلاشي الآمال بالتوسع في الأسواق الغربية وبقاء أسواق الخليج العربي مشتتة، من الممكن أن ينظر إلى البلدان الإسلامية في آسيا الوسطى على أنها مناطق النمو التالية لقطاع التمويل الإسلامي.
 
وتعتبر منطقة آسيا الوسطى سوقا خصبة لهذا النوع من التمويل خاصة أن هذه المنطقة في حالة شوق مستمر ودائم للوجود الإسلامي والعربي على أرضها.
 
كذلك فإن معدلات النمو المرتفعة في دول آسيا الوسطى والقوقاز والإمكانات الجغرافية والثروات الطبيعية والقوى البشرية والتراث الحضاري بالمنطقتين وتقاربهما مع الأسواق الروسية والصينية تبشر بإمكانية لتحقيق نجاحات في البرامج التمويلية ذات الصبغة الإسلامية.
 
ولا عجب فى ذلك، فإن بعض التقارير تطالعنا بوجود تصاعد في الطلب على التمويل الإسلامي في أوروبا وأن هناك أسبابًا تقف وراء هذه اليقظة مثل نمو الثروة لدى الطبقة المتوسط الإسلامية بأوروبا والطلب على المنتجات أو التمويل المالي للمشروعات الذي يحمل صفة الحلال حتى أنه صار مطلوبًا بين غير المسلمين وكذا تغير في موقف وسياسة الحكومات فضلاً عن كون التمويل الإسلامي يمثل فرصة عمل وكسب مربحة، كذلك فإن نظام البنوك الأوروبية يعتمد على آلية السمسرة المستندة لأسس دينية.
 
فإذا كانت هذه هي أوروبا البعيدة نوعا ما عن الشريعة الإسلامية ونصوصها فهل يمكن أن نتعجب أو نندهش من شوق أسواق آسيا الوسطى للتمويل الإسلامي، لكن التساؤل المهم هنا والذي نسعى للإجابة عنه، هل سينجح التمويل الإسلامي في استهداف أسواق آسيا الوسطى؟.
 
ماهية التمويل الإسلامي
لا يعتمد التمويل الإسلامي على فرض أي فوائد، بل يشارك في الإيرادات المترتبة عن استخدام الأموال، إذ يستخدم مقدمو التمويل الإسلامي أموال المودعين لاستثمارها في مشاريع وأعمال تجارية، ويشارك المودعون بعد ذلك أرباح تلك الاستثمارات وفقاً للنسبة المئوية التي يتم تحديدها سلفاً. وعليه، فهناك نوع من الشراكة بين مقدمي التمويل الإسلامي والمودعين من جهة، وبين الأول وعملائهم من المستثمرين من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يلعب مقدمو التمويل الإسلامي دور الوسيط المالي بما يعود بالمنفعة والربحية على المجتمع.
 
ويعتمد أنواع التمويل الإسلامي على ملكية الأصول والأعمال التجارية وتولي المسؤوليات والمخاطر الناجمه عنها، وتقترن أيضاً بالاعتماد إلى حد كبير على فهم بيئة العمل العامة والمحددة التي تطبق فيها.
 
ونما التمويل الإسلامي بصورة ملحوظة في أقل من ثلاثة عقود ليصبح صناعة عالمية تمشي جنباً إلى جنب مع أنواع التمويل التقليدية الآخرى، ومن الجدير القول بأن الكثير من المصارف التقليدية اتجهت للتمويل الإسلامي، من خلال نوافذ لخدمات التمويل الإسلامي تطل من خلالها على عملائها في جميع أنحاء العالم.
 
مرحلة انتقالية
والمتابع للسوق الاقتصادي فى منطقة آسيا الوسطى يجد أنه منذ سنوات تركز الكثير من المؤسسات المالية على منطقة آسيا الوسطى باعتبارها منطقة جذب استثمارية واقتصادية مهمة بالرغم من الأجواء الضبابية التي تظلل اقتصادها، فدول آسيا الوسطى ومنذ خروجها من عباءة الاتحاد السوفياتي تعيش مرحلة انتقالية عند المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويصنفها كثير من المتابعين ضمن دول العالم الثالث، إذ خرج معظمها بقاعدة اقتصادية زراعية شكلت النسبة الأكبر من قوة العمل، وإن لم تسهم بنحو 20 % من إجمالي الناتج القومي.
 
ومن المعروف أن دول آسيا الوسطى في العهد السوفياتي كانت تعتمد على نوع بعينه من السلع للتصدير، فبدت أحادية النظام الاقتصادي، مثل الغاز التركماني، والنفط والمعادن من كازاخستان، والقطن في أوزبكستان وطاجيكستان، وبوجه خاص حينما انهار الاتحاد السوفياتي في الوقت الذي كانت فيه معدلات النمو السكاني تتزايد بدرجة شارفت على أن تشكل قنبلة موقوتة.
 
اليوم وبعد مرور ما يقارب من العقدين يعتقد الكثيرون أنه من الصعب القول أن الاستقلال غير آسيا الوسطى إلى حياة أفضل، وذلك في ظل استفادة شرائح صغيرة من الانفتاح الذي حدث مع بقاء الشرائح الكبرى ضمن الأغلبية المهمشة والفقيرة.
 
بين النجاح والإخفاق
فعلى مدى السنوات الماضية تباينت دول آسيا الوسطى بين الإخفاق والنجاح، فقد حققت كازاخستان مثلاً خطوات متقدمة على طريق الإصلاح الاقتصادي وتعد نموذجا يحتذى مقارنة بباقي دول الإقليم، وبصفة خاصة في إقرار نظام مالي وضرائبي فاعل مع الحفاظ على تماسك العملة المحلية، والسماح للقطاع الخاص بالمشاركة في قطاعات فاعلة كقطاع الطاقة، وفتح الأبواب تدريجيا للاستثمار الخارجي.
 
لكن ما يعيب الاقتصاد هناك اعتماده الأحادي على عائدات النفط في الوقت الذي يتدهور فيه القطاع الزراعي واستمرار قطاعات اجتماعية في تلقي إعانات مالية من منظمات دولية.
 
وفي قرغيزستان فشلت على ما يبدو الجهود التي بذلت لتبني اقتصاد السوق وتعثر اقتصادها مرات بالرغم من إمكانيات القطاع الصناعي – وهو غير قادر على العودة إلى ثلث ما كان ينتجه إبان الفترة السوفياتية".
 
أما طاجيكستان فتعد واحدة من أكثر الدول التي تضرر اقتصادها خلال السنوات الماضية، وبصفة خاصة خلال فترة الحرب الأهلية «1992-1997»، حين انهار تصدير القطن، المحصول النقدي الرئيس في البلاد، إلى نصف ما كان عليه في السابق، وفي المقابل تزايد اعتماد طاجيكستان على روسيا وأوزبكستان وعلى الإعانات الدولية.
 
أما تركمانستان فتتحرك بخطى واثقة إذ يشكل الغاز الطبيعي المصدر الأساسي للميزانية السنوية، لكن ما يعيبها ارتهانه لشركة الغاز الروسية الكبرى «غازبروم» ويري باحثون حاجة الاقتصاد هناك إلى الاهتمام بشكل أكبر بالقطاع الزراعي.
 
وبالنسبة لأوزبكستان فقد احتلت واحدا من المواقع المتأخرة في اقتصادات آسيا الوسطى بسبب اعتماد اقتصادها قبل سقوط الشيوعية على 57 % من عائداته من السلع الزراعية الخام، وقد استغرقت أوزبكستان السنوات التي تلت الاستقلال في تحويل القطاع الزراعي إلى الحبوب الغذائية وتخفيف الاعتماد على القطن.
 
ورغم الخطوات التدريجية لإصلاح الاقتصاد فإنها تبدو متأخرة للغاية مقارنة بكازاخستان وقرغيزستان وأقرب لطاجيكستان.
 
موسكو تسعى للتمويل الإسلامي
على صعيد متصل وفي موسكو التي كانت تهيمن طوال القرن الماضي على منطقة آسيا الوسطى تتحدث أنباء عن سعيها لبناء نظام مصرفي إسلامي موسع.
 
وذكرت صحيفة «بيزنس تايمز» الماليزية: إن مسؤولا مصرفيا روسيا طلب من ماليزيا ودول عربية مساعدتها في وضع وتنفيذ خطة لنظام مالي إسلامي متكامل، على خلفية نمو الطلب على الخدمات المالية الإسلامية في روسيا التي تسعى لأن تكون بوابة لدخول هذه النوعية من الخدمات إلى أوروبا الشرقية.
 
ونقلت الصحيفة عن لينار جي. ياكوبوف المدير العام لشركة استشارات التمويل الإسلامي «لين وفا» قوله: «إن الخدمات المالية الإسلامية تنمو بمعدل قوي في روسيا مع وجود إمكانات ضخمة لها في المستقبل»، مضيفا أن الحكومة الفيدرالية الروسية اعترفت بالواقع الحالي للخدمات المالية الإسلامية «باعتبارها واحدة من عديد من النماذج الاقتصادية الجديدة الصاعدة".
 
حيث أكد المسؤول وجود طلب كبير على المنتجات المصرفية الإسلامية مثل صكوك الدين والبيع بالتقسيط وعمليات إقراض القطاع الخاص وغيرها»، وبحسب المصدر نفسه فإن توجه روسيا لتنمية هذا القطاع يأتي في إطار سعيها لتنويع اقتصادها، وعدم الاعتماد على قطاع اقتصادي واحد، مثل الصناعات التحويلية.
 
وينظر إلى الجمهوريات السوفياتية السابقة ذات الأغلبية المسلمة، التي تحرص الجهات التنظيمية فيها على تنمية الصناعة، على أنها بديل للبنوك الخليجية مع إقبال الوفود الإقليمية على حضور مؤتمرات التمويل الإسلامي التي عقدت في الخليج في الآونة الأخيرة.
 
وتعتمد اقتصادات آسيا الوسطى بشدة على موارد الطاقة مثل الغاز الطبيعي، وهو هيكل اقتصادي تعرفه بنوك الخليج جيدا.
 
وقال سافدار علم، رئيس أنشطة الهيكلة الإسلامية، لدى «جيه بي مورغان»: «كازاخستان ستكون في الصدارة جزئيا، لأنها قوة مالية كبيرة في المنطقة".
 
ومن ناحية أخرى، قال مصرفي بارز لـ«رويترز» إن الملكية الخاصة ستكون محرك نمو رئيسيا لقطاع التمويل الإسلامي، إلا أنه يتعين على مديري الصناديق فهم مبادئ الشريعة بصورة أفضل، قبل أن يصبح في إمكان السوق أن تتطور.
 
وختامًا… يبدو أن أسواق آسيا الوسطى لم تفتح أذرعها للمستثمرين الأجانب فى كل مكان وفقط، بل إنها أيضا تمد يدها للمؤسسات المالية ذات التمويل الإسلامي، وعلى هذه المؤسسات المسارعة فى استثمار هذه الفرصة وعليها أن تطمئن تجاه العائد من هذه الأسواق فرغم أنها أحادية البعد الاقتصادي إلا أن التمويل الإسلامي من الممكن أن يقوم بدور كبير فى توسعة هذا البعد ليشمل مجالات أخرى وهى – كما ذكرنا سالفا سوقا خصبة للتمويل الإسلامي، ويتوقف نجاح هذا النموذج من التمويل في منطقة آسيا الوسطى على قوة مؤسساته وجراءتها فى ضخ الكثير من أموالها فى المنطقة من جانب، وعلى التسهيلات الكبيرة والمرجوة التى يمكن أن تقدمها أسواق آسيا الوسطى لهذا النوع من التمويل من جانب أخر.
 
المصدر: علامات اون لاين