جانب من المؤتمر
"الكرامة للجميع" شعار كان حاضرا ً بقوة في المؤتمر الذي عقدته وكالة الامم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الادنى (الاونروا)، والذي حمل عنوان "خدمات الاونروا الصحية: ماضياً، حاضراً ومستقبلاً"، بهدف بحث خدمات الرعاية الصحية الاولية والخدمات الاستشفائية التي تقدمها الأنروا، الى جانب نقاش وسائل جديدة لتحسين جودة الخدمات وزيادتها.
وحضر المؤتمر العديد من الشخصيات السياسية والإجتماعية والدولية، منها ممثل منظمة التحرير في لبنان السفير "عبدالله عبدالله"، وممثل عن لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني "فادي ابو المنى"، وممثل عن وزارة الصحة اللبنانية "انطوان رومانوس"، ومدير عام الاونروا "سلفادوري لومباردو".
وتميّز المؤتمر بحضور نخبة من الجمعيات الدولية والعربية والفلسطينية واللبنانية، أبرزها: اليونيسيف، والصليب الاحمر الهولندي، والهلال الأحمر القطري، والهلال الأحمر الفلسطيني، وجمعية النداء الانساني، وهيئة الرعاية الصحية، ومساواة، وجمعية الإرشاد والإصلاح الخيرية الإسلامية، وغيرها الكثير.
محاور المؤتمر
وانقسمت محاور المؤتمر إلى ثلاث، حيث تمّ تقديم عرض للواقع العام للقطاع الصحي في الأنروا ضمن المحور الأول، وأن الأنروا متــعاقدة مع خمــسة وثلاثين مستشفى حكوميا وخاصا لاستقبال المرضى الفلسطينيي.
بينما تحدث المشاركون في المحور الثاني عن دور التمويل وكيف أن "احتياجات المرضى في ازدياد، وأن نسبة تكاليف الرعاية الصحية تزداد بما يقارب 8% سنوياً، والميزانيات تبقى على حالها" وفق ما يقول "انطوان رومانوس" رئيس قسم المهن الطبية في وزارة الصحة اللبنانية، ومن ثم عرض الواقع الصحي في لبنان، ليدخل منه الى الشراكة التي حصلت بين الحكومة اللبنانية والأونروا التي تعاقدت مع بعض المستشفيات الحكومية.
اما المحور الثالث فقد كان الأهمّ، حيث تمّ بحث سبل تحسين الجودة وتأمين التغطية اللازمة لبعض الأمراض المستعصية. وأعلنت الأونروا أنها ستقوم في السنوات الثلاث المقبلة بحملة من أجل رفع مستوى تغطيتها لتكاليف الأمراض المستعصية من 40% إلى 85% وذلك بالتعاون مع وزارة الصحة اللبنانية.
أرقام مخيفة
وفي رسمها للواقع، أشارت الأنروا في كافة المحاور التي عرضتها في المؤتمر إلى مسؤوليتها الكاملة للشعب الفلسطيني. وتمّ عرض أرقام مخيفة بما يخص الواقع الصحي للاجئين الفلسطينيين في لبنان ضمن دراسة أجرتها الجامعة الاميركية في بيروت، إذ أنّ أكثر من 66 % من الشعب الفلسطيني هم تحت خط الفقر، وان أكثر من 56 % من الشعب الفلسطيني عاطلون عن العمل، وأن أكثر من 31 % يعانون من الامراض المزمنة
ولفتت إلى أنه نتيجة لظروف السكن السيئة والاكتظاظ ورداءة الظروف الصحية والبيئية، تنتشر الأمراض المعدية بكثرة بين الفلسطينيين، إذ أصيب حوالى 24 في المئة منهم بأمراض جرثومية حادة في الأشهر الستة التي سبقت المسح الذي أجرته الجامعة.
كما تبيّن أن نسبة انتشار الأمراض غير المعدية في ارتفاع، ومنها أمراض القلب والشرايين، وداء السكري، والأمراض النفسية والعقلية. وقد بلغت نسبة انتشار الأمراض المزمنة 31 في المئة، فيما أعلن 21 في المئة من اللاجئين المشاركين في مسح الجامعة أنهم عانوا من حالة مرض عقلي أو نفسي في غضون السنة التي سبقت المسح.
ولا يستفيد الفلسطينيون في لبنان من أي شكل من أشكال التأمين الصحي سواء الخاص أو الضمان الاجتماعي، وبالتالي هم يعتمدون بالكامل على تقديمات الانروا التي تغطي الخدمات الصحية الأولية بالكامل، وخدمات الاستشفاء من المستوى الثاني تغطية شبه كاملة (معالجة السحايا، التهاب الكلى، النفاخ الرئوي، المرارة، الزائدة…)، الا أن اللاجئ يتكفّل بدفع الجزء الأكبر من فاتورته الاستشفائية في الرعاية الصحية من المستوى الثالث، التي هي الأغلى ثمناً (عميلات القلب والشرايين، عمليات الجهاز العصبي والهضمي، الأورام وحالات السرطان..).
وتعترف الأنروا بعدد من الثغرات التي تطال خدمات الرعاية الصحية الأولية، ومنها عدم توفر خدمات العناية بالصحة النفسية والعقلية، او بصحة المسنين والمعوّقين. كما سجلت ثغرات في الخدمات العيادية المتخصصة والفحوص التشخيصية. وهي تعترف أيضا بمحدودية توفر العناية الاستشفائية من المستوى الثاني، وتفاوت بين المناطق في توفر أسرة في المستشفيات. أما بما خصّ الرعاية الصحية من المستوى الثالث، فتسجل "الأونروا" عدم وضوح لحقوق المستفيدين، وعدم تنسيق بينها وبين مقدمي الدعم المالي، بالإضافة إلى عدم "تحبيذ المستشفيات كثيراً لاستقبال المستفيدين من خدمات الوكالة لأن احتمال وقوعهم في ديون مرتفع جداً".
وكشفت "الأونروا" أنها أطلقت مشروع إصلاح شامل لبرنامج الاستشفاء في نهاية العام 2009، الا أن كثيرا من التحديات بقيت في وجه اللاجئين الذين تتطلب حالاتهم الصحية تدخلاً من المستوى الثالث. ومن أبرز تلك التحديات الارتفاع المستمر في أسعار الخدمات الصحية من المستوى الثالث، بالإضافة إلى عدم تغطية "الأونروا" للامراض المزمنة الطويلة الأمد كالتصلّب اللويحي، وغسل الكلى وتمييل القلب.
وتحاول الأنروا مواجهة كافة التحديات عبر رفع تغطيتها للرعاية الصحية من المستوى الثالث من 30 في المئة إلى 40 في المئة، للوصول إلى تغطية تصل إلى 85 في المئة، وهي تغطية تتطلب ثلاثة ملايين دولار إضافية. كما وقعّت مع وزارة الصحة اللبنانية، بروتوكولاً يحصل بموجبه اللاجئون المرضى على حسومات على أدوية الأمراض المستعصية والمزمنة تتراوح بين 15 في المئة و70 في المئة. كما أطلقت في منذ شهرين برنامجاً خاصاً للعناية بالحالات المستعصية، هدفه جذب الأموال اللازمة وإنشاء شبكات تنسيق مع منظمات أخرى تدعم الفلسطينيين ومؤسسات رعاية صحية متخصصة.
مداخلات المشاركين
المؤتمر عرض العديد من المحاور
وتميّز المؤتمر بمداخلات قيّمة من المشاركين، تمّ تسليط الضوء فيها على خدمات الصحة النفسية والرعاية الصحية للمسنين في المخيمات وتمويل الرعاية الصحية في لبنان وبرنامج الاستشفاء في الاونروا وخدمات الرعاية الصحية للحالات المستعصية والتأمين الصحي واشراك المجتمع لتحسين الخدمات.
واعتبر بعض المشاركين أن الخطط المعروضة لا تبدّل الا القليل في الواقع الصحي الفلسطيني، ولعلّ الحلول الجذرية لا تتمحور فقط حول زيادة الموارد المالية للوكالة، بل إنها تبدأ من التوعية ومن تحسين البيئة التي يعيش فيها الفلسطينيون. فما نفع الدواء إن اتخذ مع مياه ملوثة؟ كما سأل أحدهم، وما جدوى الوقاية في مخيم تجري مياهه الآسنة بين المنازل؟ وكيف يتجنب الفلسطينيون حوادث العمل التي تسجل ارتفاعاً، إن كانت بيئة العمل التي يواجهونها كل يوم غير آمنة؟…
وقد أشاد المشاركون بتميّز المؤتمر، واعتبروه خطوة إيجابية نحو تطوير المزيد من الخدمات الطبية للشعب الفلسطيني في لبنان. واعتبر البعض أنّ الأنروا حققت إنجازات كبيرة مؤخرا ً في زيادة ميزانية القطاع الصحي من مليوني دولار إلى 7 ملايين دولار. وفي الختام أجمع المشاركون على ضرورة تضافر الجهود لتحسين خدمات الاونروا والنهوض بصحة اللاجئين.
تصعيد من بعض الأطراف
من جهة ثانية، علقت المؤسسة الفلسطينية لحقوق الانسان "شاهد" على المؤتمر الذي انسحبت منه احتجاجاً على بعض ما تضمنه، ورأت، في بيان، ان المؤتمر محاولة فاشلة لتضليل الرأي العام عن الحقيقة المؤلمة التي يلمسها اللاجئون من خدمات الاونروا في ظل غياب الشفافية وعدم قيامها بالواجب الانساني والقانوني والاخلاقي.
ولفتت الى ان المشاركة الكبيرة لموظفي الاونروا والاجانب والعدد القليل لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني أفقد المؤتمر قيمته وجعله مجرد ضجة اعلامية موجهة الى المانحين. وشددت على ان ادارة الاونروا تدفع اللاجئين الى تصعيد احتجاجاتهم ضدها للحصول على مزيد من الخدمات لان تعديل السياسة المالية وتوفير الشفافية ومحاسبة الفاسدين يوفر خدمة افضل.
وشددت "شاهد" على ان اللاجئين فقدوا الثقة بالاونروا، داعية الحكومة اللبنانية الى التدخل في عمل الاونروا ايجاباً بما يحقق مصالح اللاجئين.
ويعتبر مكتب شؤون اللاجئين في حركة حماس في لبنان أن المؤتمر مجرد خطوة تحاول فيها الوكالة تلميع صورتها أمام الجهات المانحة والمؤسسات الدولية والرأي العام. فمؤتمر الأونروا يسعى إلى ذرّ الرماد في العيون، لذلك تسعى إدارة الأونروا جاهدةً إخفاء الحقائق أمام الرأي العام وترسل رسالة من خلال المؤتمر مفادها أن الوكالة تقوم بدور مميز وعظيم عبر تقديمها العديد من الخدمات الصحية بأرقى الوسائل، وأنها ملتزمة المعايير المهنية والشفافية في التعامل الإداري.
ويؤكد المكتب أنه من الأجدى والأنفع لإدارة الأونروا أن تستجيب لمطالب اللاجئين الفلسطينين المحقّة والعمل على تحسين مستوى الخدمات الصحية والأداء الصحي في مراكزها، وأن تنظر باهتمام كبير للخطوات الاحتجاجية لمؤسسات المجتمع المدني واللجان الأهلية والشعبية المنادية بإصلاح الوكالة من الفساد المستشري فيها، وتحسين كافة خدماتها.
ويرى المكتب أن تنظيم الأونروا مؤتمراً عن الواقع الصحي دون الاستجابة لمطالب اللاجئين، لن يقدّم أو يؤخر في ظل عدم استجابتها لمطالب اللاجئين، رغم كل الوعود التي قطعتها. وهي تسعى في المقابل مع بعض الدول لشطب قضية اللاجئين وإلغاء حق العودة وفرض مشاريع التوطين والتهجير، لتصل إلى مرحلة انتهاء تقديم خدماتها بشكل نهائي.
وفي ختام المؤتمر، عرضت الأنروا بعض التوصيات تمحورت حول تدعيم جهود جمع التبرعات لزيادة قدرتها على تغطية خدمات الاستشفاء بنسبة 85 % كالتي تقدمها وزارة الصحة اللبنانية للشعب اللبناني، بالاضافة الى انشاء شبكة تنسيق مع منظمات أخرى تدعم اللاجئين الفلسطينيين،للتدخل في الجوانب التي لا تغطيها خاصة للمسنين وللمرضى المصابين بأمراض عقلية ونفسية، وللمعوقين، وغيرها.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75314
