أرشيفية
– ملخص المقالة:
استهدفت هذه المقالة تحديد الأسس النظرية لتعزيز الإنتاجية، والنوع الاجتماعي. ووجدت تلك المقالة الأسس النظرية لتعزيز الإنتاجية، في النموذج التنموي الغربي الرأسمالي، ومفهوم التنمية البشرية، ومقولة السياسة الاجتماعية المتكاملة، والمشاركة المجتمعية الفاعلة، واستراتيجيات الحد من الفقر. بينما وجدت المقالة الأسس النظرية للنوع الاجتماعي، في تقسيم العمل بين الجنسين، وتداعياته من التمييز السلبي ضد المرأة، الذي يحد من مشاركتها الاقتصادية الفاعلية، تحت تأثير الثقافة الذكورية السائدة في مجتمعها، ومحدودية فرص العمل المطروحة أمامها، وتفضيل المشغلين للذكر عليها في العمل والآجر، وانشغالها بحملها، وتبعاته من الولادة والرضاعة، والتشريعات المعوقة والحامية لها في ذات الوقت، وضعف الخدمات ، التي تشجعها على العمل، وتأثير برامج التعديل الهيكلي عليها، التي قلصت من فرص عملها في القطاع الرسمي، وزادت من فرص عملها في القطاع غير الرسمي، الذي قد لا يوفر لها الحماية القانونية وضمانات العمل.
مقدمة:
تكمن الأسس النظرية لتعزيز الإنتاجية، الذي زادت وتيرة تداوله في الآونة الأخيرة، من جراء تأثير برامج التعديل الهيكلي، التي تنفذها الكثير من الدول النامية بالتعاون مع بعض المؤسسات التنموية الدولية، في الفكر التنموي الغربي الرأسمالي، الذي يمجد الفرد، ودوده الحاسم في التغيير، بالاستناد إلى موطن قوته الداخلية، وفرصه الخارجية،اللتين تعكسان رؤيته، ورسالته، وأهدافه، وأساليبه.
بينما الأسس النظرية للنوع الاجتماعي، فإنها تكمن في تقسيم العمل بين الجنسين، الذي أوجده المجتمع في أثناء تطوره التاريخي، ويسعى إلى الحد من تداعياته السلبية، من خلال مؤسساته، ونظمه، اللتين تنشدان العدالة والإنصاف لمن يعيشون في ظلهما.
ولهذا، جاءت بقية أجزاء هذه المقالة؛ لبلورة الأسس النظرية لتعزيز الإنتاجية، والنوع الاجتماعي، بالاستناد إلى مصادرهما الفكرية. ففي الجزء الأول، نستعرض النموذج التنموي الغربي الرأسمالي، ونماذجه الفرعية الأربعة. بينما في الجزء الثاني، نتناول مفهوم التنمية البشرية، من باب الوقوف على مضمونه. أما في الجزء الثالث، فنعرج على مفهوم السياسة الاجتماعية المتكاملة. في حين ندرج في الجزء الرابع، استراتيجيات الحد من الفقر. وفي الجزء الخامس، نوضح مفهوم الاستبعاد الاجتماعي، من خلال مؤشراته الكيفية. بينما في الجزء السادس، نشرح مفهوم النوع الاجتماعي، من باب بيان علاقته بمفهوم تعزيز الإنتاجية.
أولا: النموذج التنموي الغربي الرأسمالي:
تعد فكرة تعزيز الإنتاجية، من إحدى الأفكار، التي أنجبها الفكر الغربي، الذي ذهب أصحابه مذاهب شتى في تأكيدهم على العناصر المحورية، التي تدفع إلى التنمية، وخلاصتها استعمال النـــــموذج التنموي الغربي الرأسمالي، المؤلف من أربعة نماذج فرعية ذكرها الربايعة( 1988: 14- 30) ، وهي:
أ- نموذج النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، الذي يرى أصحابه أن التنمية يمكن أن تتحقق من خلال النمو الاقتصادي، وأن التغيرات الشاملة سوف تكون مرتبطة بالتغيرات في المجال الاقتصادي، ومترتبة عليها. ولذلك فأن إحداث التنمية الشاملة مرهون بإحداث التنمية الاقتصادية في المقام الأول.
وبالفعل فقد كان الاقتصاديين الكلاسيكيين، أول من عالج تنمية المجتمعات بصورة منظمة، ولذلك فقد كانوا أسبق من غيرهم في صياغة نظريات عامة في التنمية الاقتصادية.
ويرى هؤلاء أن أهم أدوات التنمية الاقتصادية، هي تراكم رأس المال من خلال تجارة السوق، والاشتراك في السوق العالمي، واستعمال التكنولوجيا على نطاق واسع. ويعتقدون أن استعمال هذه الأدوات من شأنها أن تحقق للمجتمع زيادة عالية في الإنتاج، ومن ثم زيادة في الدخل، على أساس أن زيادة الدخل وارتفاع معدلاته، هو الهدف الأساسي من التنمية ككل.
ويشير لي (Lee)، إلى أن، الذي حدا بالاقتصاديين الكلاسيكيين، إلى التفكير بإتباع أسلوب التنمية الاقتصادية كأساس للتنمية الشاملة، هو ذلك التفاوت الكبير، الذي وجدوه بين اقتصاديات البلدان الصحراوية في أفريقيا وبين مثيلاتها في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. وقد وجد هؤلاء أنه لكي تلحق الأولى ( البلدان المتخلفة) بالثانية( البلدان المتقدمة) فأنه ينبغي عليها أن تعمل على تراكم الثروة ورأس المال. وقد توصلوا إلى أن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك، هي دعم الاستثمارات في مجال الصناعة والنقل والمواصلات وتقديم المعونات والمساعدات المختلفة للقادرين على الإنتاج من اجل تحديث القطاعات الاقتصادية كافة لا سيما الزراعية منها(Lee.1970.p 14).
وقد أشار كل من كارل ماركس (K.Marx) و ماكس فيبر(M.Weber)، إلى الدور الكبير، الذي لعبه العامل الاقتصادي في تنمية المجتمعات الأوروبية الغربية، وتقدم الحياة الاجتماعية فيها، وذلك من خلال تحليلهما لنشأة الرأسمالية. فقد بين كارل كاركس (1984 ، ص ص:64-73)، أن نمو الأدوات التكنولوجية والتراكم الأولي لرأس المال، هما العاملان الأساسيان في تنمية المجتمعات الغربية. في حين بينماكس فيبر( 1930 ، ص ص 47-76)، أن سر نجاح الرأسمالية يكمن في نظامها الاقتصادي الرشيد، الذي تقوم إدارته على المبادئ العلمية والثروات الخاصة والإنتاج من اجل السوق ومن اجل الربح والحماس المتزايد والروح المعنوية العالية والكفاءة في العمل.
ب- النموذج التطوري المحدث، الذي يرى أنصاره أن على المجتمعات الراغبة بالتنمية أن تــجتاز المراحل التطورية، التي مرت بها المجتمعات الصناعية في أوروبا الغربية. ويعتبر والت روستو (W.Rostow)، من ابرز أنصار هذا النموذج، ومؤيديه، وخلاصة نظريته، أن على المجتمعات النامية أن تنتظر حتى تجتاز المراحل، التي وصلت إليها المجتمعات المتقدمة (روبيرتس وهايت،2004) وهي: مرحلة المجتمع التقليدي، التي تتميز بانخفاض الدخل الفردي، وقلة الإنتاج، وضآلة الحراك الاجتماعي، وجمود التقاليد الاجتماعية كالقدرية والإتكالية، وغلبة الطابع الزراعي على العملية الإنتاجية، وبساطة الأدوات التكنولوجية المستعملة في الزراعة. ومرحلة التهئيو للانطلاق، التي تأخذ المجتمعات فيها بالاتجاهات الحديثة في مجال الاقتصاد، كما يظهر من استعمالها للوسائل الحديثة في الإنتاج والاستثمار وتقييم المشروعات الاقتصادية، ومن ظهور المصارف والتجارة والمشروعات الصناعية في مناطقها. ومرحلة الانطلاق، وفيها تنتشر المراكز الحضارية وتتقدم الأساليب والفنون الإنتاجية عن طريق التقدم التكنولوجي والتوسع الصناعي. ومرحلة الاقتراب من النضج، التي تتميز بظهور الصناعات الجديدة واستعمال طرق ووسائل إنتاج حديثة، وفائض صناعي معد للتصدير وزيادة في حجم الاستثمارات. ومرحلة الاستهلاك الوفير، التي يعمها إنتاج السلع المعمرة، وبروز القوة الخارجية للدولة، وفرض الضرائب التصاعدية، وزيادة مستويات الاستهلاك.
ج- النموذج السيكلوجي( النفسي)، الذي يرى أصحابه أن تنمية المجتمعات يمكن أن تتحقق عن طــريق تقوية دوافع سيكلوجية معنية لدى أفرادها، وبخاصة الدافع إلى الانجاز. ويرى ماكليلاند (.1968.pp.38-40 C.Mwclelland) ، أنه إذا ما نمى هذا الدافع لدى الأفراد فأنه سوف يؤدي إلى خلق اتجاهات إبداعية خلاقة في مجال التكنولوجيا والإنتاج. وقد حدد ماكليلاند الدافع إلى الانجاز بأنه عمل الأشياء بكفاءة وبطريقة أفضل. وقد ذهب ماكليلاند إلى أن هذا الدافع، هو دافع داخلي بحت، وليس دافعا خارجيا. فمن وجهة النظر الاقتصادية فأن ميل الفرد للادخار والاستثمار، هو متغير سيكلوجي بالدرجة الأولى، وليس متغيرا اقتصاديا أو اجتماعيا، بل أن هذا الدافع، هو المسئول عن النمو الاقتصادي. وقد حاول ماكليلاند أن يربط بين النمو الاقتصادي وبين الدافعية إلى الانجاز، وافترض أن المستوى العالي من الدافعية للانجاز قد نجم عن النمو الاقتصادي المتسارع، وأن المجتمع، الذي يتمتع أفراده بدرجة عالية من الحاجة إلى الانجاز سوف يخلق فئة من المنظمين النشيطين، الذين يسهمون بدورهم في خلق نمو اقتصادي متسارع. وقد اعتبرماكليلاند هؤلاء المنظمين مفتاح التنمية الاقتصادية، ومن ابرز خصائصهم حب المغامرة أو المخاطرة المحسوبة والعقلانية والقوة والذكاء والكفاءة القيادية والإبداع والاختراع والتجديد.
د- نموذج الثنائيات، الذي برى أصحابه أن هنالك نموذجين من المجتمعات، أحدهما متقدم، والآخر متخلف، وما على الثاني، إلا الالتحاق بركب الأول؛ ليحقق التنمية، التي تدل عليها مؤشراتها الكمية( ارتفاع معدل الدخل والاستهلاك والثروة وانتشار التعليم وزيادة معدلات التحضر وتقدم المستويات الصحية والتغذية والسكن والبيئة) والكيفية( انتشار العمومية والتوجه نحو الأداء وتخصص الدور).
ثانيا: مفهوم التنمية البشرية:
للتنمية البشرية تعريفات عديدة لعل أوجزها، تعريفها، الذي أورده تقريرها لعام 1990، ومفاده أنها توسيع خيارات الناس. وتعريفها أيضا، الذي صاغه أمارتيا صن(2004)، وخلاصته أنها حرية. كما أن للتنمية البشرية تعريفات تعكس مكنونها، من أوضحها، تعريف جون غوستاف سبيث المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي أورده في تقرير مبادرة من اجل التغيير، ونصه التنمية البشرية هي تنمية لا تكتفي بتوليد النمو وحسب، بل توزع عائداته بشكل عادل أيضا. وهي تجدد البيئة بدل تدميرها؛ وتمكن الناس بدل تهميشهم؛ وتوسع خياراتهم وفرصهم وتؤهلهم للمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم. إن التنمية البشرية المستدامة هي تنمية في صالح الفقراء، والطبيعية، وتوفر قرص عمل، وقي صالح المرأة. إنها تشدد على النمو الذي يولد فرص عمل جديدة، ويحافظ على البيئة، تنمية تزيد من تمكين الناس وتحقق العدالة فيما بينهم.
وتتألف التنمية البشرية، من مكوناتها الأربعة( نعمة،2009) ، وهي:
أ-الإنصاف، الذي يركز على تكافؤ الفرص، وعلى الوسائل والمدخلات، لا على المخرجات والنتائج، ويلتزم بمبدأ تحميل الفرد مسؤولية الإفادة منها. ويتطلب الإنصاف عملية إعادة هيكلة جذرية في علاقات القوة في المجتمع، تؤول إلى تعديل توزيع ملكية الأصول الإنتاجية؛ وإدخال تعديلات هيكلية في توزيع العبء الضريبي من خلال اعتماد ضرائب تصاعدية تهدف إلى إعادة توزيع الدخول من الأغنياء إلى الفقراء؛ وإصلاح نظام الإقراض ليتمكن الفقراء والعاطلون عن العمل وغيرهما من الفئات الأخرى من الإفادة منه؛ وتحقيق تكافؤ الفرص السياسية من خلال إصلاح نظام الانتخاب؛ وإلغاء العوائق التي تحد من المشاركة المجتمعية الفاعلة للفئات المعرضة للاستبعاد الاجتماعي، مثل: النساء والفقراء والعاطلين عن العمل.
ب-الإنتاجية، التي تتأتى من النمو الاقتصادي، الذي يمكن تحقيق معدلات مقبولة منه، من خلال سياسات التركيز على الاستثمار في التعليم والصحة، وتطوير مهارات الناس. والتشديد على بلوغ توزيع أكثر عدالة للدخل والأصول الإنتاجية. وخلق فرص عمل أفضل بشكل مستمر. وتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية( التعليم، الصحة، الحماية،….)، والارتقاء بها، بالتلازم مع تمكين الناس، وتقوية قدراتهم.
ج- الاستدامة، التي تجعل التنمية قابلة للاستمرار على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئة. لهذا فالتنمية البشرية المستدامة، هي العملية، التي تتطلب عدم توريث الأجيال القادمة ديوناً اقتصادية، أو اجتماعية، يعجز عن مواجهتها؛ وعقلنة استثمار الموارد الطبيعية، وما يطلبه ذلك من تعديل في أنماط النمو ومعدلاته، والتكنولوجيا المستعملة، وتعديل أنماط الاستهلاك المبددة للموارد الطبيعية والتي هي غير قابلة للاستمرار؛ وتحقيق العدالة والإنصاف في العلاقات الحالية.
د-التمكين، القائم على المشاركة و الحكمانية. فالناس هم الفاعلون الأساسيون في عملية التغيير الاجتماعي، وليسوا مجرد مستفيدين يتلقون النتائج دون مشاركة نشطة. ويتطلب تمكين الناس من القيام بدورهم هذا، وجود ديمقراطية سياسية يتمكنوا من خلالها من التأثير في القرارات المتعلقة بحياتهم؛ ووجود أيضا حرية اقتصادية تساعدهم على التحرر من القيود والقواعد القانونية المبالغ فيها، التي تعيق نشاطهم الاقتصادي؛ ووجود سلطة لا مركزية تمكنهم من المشاركة في إدارة حياتهم، انطلاقاً من أماكن عملهم أو سكناهم، والمشاركة أيضا في صنع القرار وتنفيذ خطط التنمية.
هذا وترتبط التنمية البشرية بنظريات النمو والتنمية السابقة عليها والمتزامنة معها. فقد ساد الفترة من عام 1942( أواخر الحرب العالمية الثانية)- 1979( أواخر عقد سبعينيات القرن العشرين)، مجموعتان من النظريات، إحداهما للنمو( وخلاصتها الاتجاه الكمي، الذي يركز على جانب واحد)، والأخرى للتنمية( وخلاصتها العملية الكيفية، التي تركز على أكثر من جانب)( روبيرتس وهايت،2004).
ونتج عن تطبيق هاتين المجموعتين من النظريات، في الكثير من الدول النامية، جملة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية، منها تبني سياسة التكيف الهيكلي، من خلال برامج التصحيح الاقتصادي، التي قد تحقق أهدافها الكلية ، وتنامي معدلات الفقر والتفاوت في الدخول(الخطيب والخطــــــيب، 2007)، وهيمــــنة الفكر الاقتصادي التحرري الجديد- النيو ليبرالي-( نعمة،2009).
وتتميز مجموعة نظريات النمو التقليدية بالخصائص التالية: قياسها للنمو من خلال مؤشراته الكمية، واعتبارها إياه محصلة لتراكم رأس المال المادي والتوسع في استخدام القوى العاملة، وتفضليها له كمبدأ على حساب الإنصاف والعدالة الاجتماعية، وتوزيعها لفوائده بعد حدوثه بشكل تلقائي من خلال ما يعرف بالأثر ألتساقطي، وتأكيدها على سيره وفق آليات السوق ضمن تدخل محدود للدولة.
وحلت محل نظريات النمو التقليدية، نظريات النمو الجديدة، التي تركز على دور العامل الإنساني في النمو الاقتصادي، وعلى الاهتمام بالتعليم والصحة، وعلى توظيف العلاقات والتقاليد الاجتماعية والأطر المؤسسية بصفتها كرأسمال اجتماعي لزيادة الإنتاجية.
أما مجموعات نظريات التنمية التقليدية، فأنها تتميز بالخصائص التالية، تأكيدها على خيارات التوظيف وإعادة التوزيع والحاجات الإنسانية. واعتمادها على آليات خلق فرص عمل جديدة في القطاع العام؛ والاستثمار العام في الصحة والتعليم المخصصين للفقراء دون اقتطاع الأرباح من الأغنياء؛ والتركيز على الخدمات. وتنبئها بنتائجها، وهي امتهان الفقراء للأعمال، التي تدر عليهم دخلاً؛ واختلال التوازن بين الريف والمدن؛ والتدخل الدولي من أسفل إلى أعلى، أو من القاعدة إلى القمة.
وتختلف التنمية البشرية عن نظريات النمو والتنمية السابقة عليها والمتزامنة معها، في منطلقاتها، التي تؤكد على اقتران النمو بالتنمية؛ وعلى اعتبار الناس غاية التنمية وليسوا أداة لتعظيم النمو؛ وتنمية قدرات المجتمع على التحكم بمصيره، وإيجاد بيئة كلية تعمها المشاركة المجتمعية والتمكين الفعال.
ويتألف دليل التنمية البشرية، من مقياسها الحسابي، الذي يستعمله برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ للمقارنة بين الدول، وهو مؤشر مركب لقياس الرفاهية، ويمثل مجموعاً مرجحاً لثلاثة مؤشرات ذات صلة بالسن المتوقع عند الولادة( معدل أجل الحياة)، ومستوى التعليم وحصة الفرد من الناتج الإجمالي. وتتراوح قيمة الدليل بين صفر وواحد، فكلما كانت القيمة المحــسوبة قريبة من الواحد، كلما كان الوضع أفضل، وقريبة من الصفر، كان الوضع أسوأ( بن الشيخ،2008).
ويحسب دليل التنمية البشرية لكلا الجنسين، وللذكور، وللإناث، كما يظهر من معطيات تقرير الأردن لعام 2004( وزارة التخطيط الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق الأردني الهاشمي للتنمية البشرية،2004: 157-160).
ثالثا: السياسة الاجتماعية المتكاملة:
ساد في الآونة الأخيرة، منظور السياسة الاجتماعية المتكاملة، بعد أن قامت بعض منظمات الأمم المتحدة، بإنضاج مقدماته، ونتائجه، وتعبر عنه دوائره المتتابعة في تأثيرها، والمعتمدة على بعضها؛ لإيجاد العدالة والإنصاف ESCWA,2009,P:9)) ، وهذه الدوائر، هي:
أ-دائرته التنموية الاجتماعية الكبرى، التي تشتمل على مكوناتها من النمو الاقتصادي المستدام؛ والاقتصاد الكلي المرن؛ والإدارة الرشيدة أو ما يعرف بالحكمانية؛ والتنميتين الريفية والحضرية، اللتين تقوم مدخلاتهما وعملياتهما ومخرجاتهما من البرامج والمشاريع والأنشطة، على الكفاءة والفاعلية والاستدامة والملائمة والإنصاف؛ والبنى التحتية، على اختلاف عناصرها من الطرق الآمنة، والمياه والكهرباء والهاتف والمجاري، وغيرها من المكونات الأخرى، التي تتفاعل فيما بينها، على نحو علائقي جدلي؛ ليعكس نتاجها في نهاية المطاف، المستوى التنموي للبلد المعنى بتصميمها، وتنفيذها، ومتابعتها أو مراقبتها، وتقييمها، الذي قد يكون أقل أو أوسط أو أكثر نموا، كما هو الحال بالنسبة للأردن، المصنف ضمن قائمة الدول الأوسط نموا.
ب-دائرته الأوسط، التي تنم عن الاستثمار في البشر بصفتهم كأصحاب حقوق مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية، كفلتها التشريعات المحلية والمواثيق والاتفاقيات الدولية، يجب الوفاء بها، وعدم انتهاكها. وجوهر هذه الدائرة، مكوناتها من التعليم والصحة والعمل اللائق، الذي يمكن الحصول عليه من خلال التدريب والتأهيل.
ج- دائرته الأضيق، التي تنم عن الحماية الاجتماعية للمعرضين للخطر، المنبعث من دورة حياتهم، على مستوى الكبر( ضمان التقاعد الاجتماعي بالمساهمة النقدية لصاحبه، ولجهة عمله)، أو من مدى استبعادهم الاجتماعي، من جراء قلة الدخل النقدي( الفقراء، الذين تقل دخولهم عن القيمة النقدية لخط الفقر المعتمد)، والتعطل غير الإرادي عن العمل المنتج( العمال المصابين بالأمراض المهنية، والمستغنى عن خدماتهم تحت تأثير إفلاس مؤسساتهم، أو تغيير سياساتها )، وضعف المشاركة السياسية( قلة الانتساب لمنظمات المجتمع المدني باستثناء الأحزاب السياسية، التي يمكن أن تصل للسلطة )، والعنف بنوعيها الأسري، والمجتمعي، الذي يذهب ضحيته في غالب الأحيان المهمشين من فئات الأطفال والنساء والمسنين.
فهذه الدوائر الثلاث، أن لم تجسد عمليا، ويغيب عنها تكاملها، فأن الفقر سيبقى العلة الرئيسة لغيرها من العلل الأخرى، التي يمكن أن تتجاوز آثارها حدود إطارها المكاني المحلي، إلى حدود إطارها العالمي، الذي تحاول الأمم المتحدة، السيطرة عليه، من خلال تمسكها بالإعلان العالمي للألفية، الذي مضى على إطلاقه عشر سنوات، ولم يأت بأكله بعد، من جراء الأزمات الاقتصادية الثلاث، التي شهدها العالم، اعتبارا من عام 2008 ، وهي أزمة الغذاء، وأزمة الوقود، وأزمة التمويل.
رابعا: استراتيجيات الحد من الفقر:
يشكل الفقر عقبة رئيسة في طريق النمو والتنمية، وخطراً على السلام والأمن والاستقرار؛ لكونه يولد بيئة خصبة تنمو فيها آفات الجريمة والانحراف والتفكك. ولهذا فإن الحد من الفقر، يتطلب آليات الوصول والمشاركة على المستويين الجزئي والكلي. فعلى سبيل المثال قد تتوفر الخدمات الاجتماعية مجاناً، مثل التعليم والصحة، لكن أفرادا وجماعات بعينها لا يستطيعون الوصول إلى أماكن مؤسسات تقديمها؛ لأنهم أفقر من أن يتحملوا التكاليف المصاحبة لتلقيها. ففي الأردن أظهرت نتائج مسح السكان والصحة الأسرية، أن حوالي 30.2% من النساء لا يتمكن من الوصول إلى الخدمات الصحية في حال مرضهن، بسبب افتقارهن للمال ( موثق في البنك الدولي،2005 : 80).
إن وضع المرأة أكثر حرجاً من الرجل؛ لتأثرها بالتغيرات الاقتصادية، التي قد تزيد من وتيرة معاناتها في أثناء قيامها بمهام أدوارها الاجتماعية، المفروضة عليها من قبل مجتمعها. لهذا الوضع الحرج، وتداعياته، فقد تبلور حديثا مفهوم الفقر المؤنث، الذي يدل على التأثر السلبي للمرأة بالتغيرات الاقتصادية، التي يشهدها مجتمعها، جراء ظروفه الموضوعية والذاتية. وعليه فإن نجاح سياسات الحد من الفقر، يعتمد على تحديد من هم الفقراء بالاستناد إلى مجمل خصائصهم الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية؛ وبيان أماكن سكناهم في ضوء نظم التقسيمات الإدارية المعمول بها في بلدانهم؛ وبلورة مصادر التغيرات، التي حدثت في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.
فالحد من فقر المرأة، أو القضاء عليه، يؤدي إلى رفاه مجتمعها ككل؛ لكونها تشكل نصفه من الناحية العددية؛ ولكون أيضا الزيادة في دخلها، تؤدي إلى زيادة إنفاق أسرتها على التعليم والصحة، فضلا عن مردود تعليمها على خصوبتها، وصحة أطفالها.
وللحد من الفقر، فقد وجدت ست آليات( جامعة الدول العربية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوزارة المكلفة بأوضاع المرأة ورعاية الأسرة والطفولة وإدماج المعوقين بالمغرب،2001)، نصفها تقليدي، أنتجته نظريات النمو والتنمية؛ ونصفها الآخر حديث، أملته الخبرة والتجربة، وعكسته الممارسات الفضلى.
والآليات التقليدية للحد من الفقر، هي آلية تقديم الدولة للدعم المادي والسلعي للفقراء(استراتيجية الضمان أو الأمان الاجتماعي)؛ وآلية توفير الخدمات اللازمة لتحسين المستوى التعليمي والصحي، التي تنمي معارف ومهارات واتجاهات الفقراء، وتؤهلهم للمشاركة في العمل والكسب والإنتاج(استراتيجية رأس المال البشري)؛ وآلية توفير فرص العمل والإقراض الصغير، الذي قد يضمن مشاركة الفقراء في العمل والإنتاج، ويقربهم من الأسواق(استراتيجية الاقتصاد).
أما الآليات الحديثة للحد من الفقر، فهي آلية إتاحة الفرص المادية أمام الفقراء(استراتيجية اغتنام الفقراء للفرص المتاحة بالاستناد إلى مواطن قوتهم الداخلية)، التي تنم عن ما يحتاجونه من وظائف ليشغلوها؛ وائتمان ليقترضوا من صناديقه؛ وطرق ليستفيدوا منها في ترحالهم ونقل بضائعهم؛ وأسواق ليبيعوا فيها منتجاتهم ويشتروا منها بضائعهم؛ ومدارس ليعملوا فيها أبناءهم؛ ومياه ليستملوها في الشرب والاستحمام وغيرهما؛ ومرافق للصرف الصحي ليستغلوها لتصريف مياههم العادمة؛ ومراكز صحية ليتطببوا فيها حال مرضهم؛ ونمو اقتصادي مستدام ليتلقفوا ما يسقط عليهم من ثماره. وآلية التمكين من أسباب القوة(استراتيجية تميز أداء المؤسسات والشفافية)، التي تستوجب استجابة الإجراءات العامة لاحتياجات الفقراء، من خلال قيام الحكومات المعنية بها بتطبيق نهج التميز والشفافية، الذي ينهض على الاهتمام برضا متلقي الخدمة، وإحراز المخرجات والنتائج المخطط لها. وتطبيق نهج الإدارة الرشيدة، القائم على المسائلة والمشاركة والتنسيق والشفافية، وغيرها من المعطيات الأخرى. وآلية تحسين الأمن(استراتيجية الأمن الإنساني)، التي تعكس ما يطلبه الفقراء من المعنيين بشأنهم العام ، من مساندة في أثناء تعرضهم للأزمات والكوارث سواء أكانت طبيعية( جفاف، فيضانات صقيع،…) أو اقتصادية( ركود، انكماش،…) أو صحية( أمراض وبائية).
خامسا: مفهوم الاستبعاد الاجتماعي:
يعد تعزيز التكامل، والاندماج الاجتماعيين، في الدول المتقدمة، من احد أهدافها الوطنية، الذي قد يضمن حال بلوغه، أمنها، واستقرارها الاجتماعي، وأمان مواطنيها، ورفاهم.
ويــــعرف التكامل الاجتماعي بأنه علاقة الفرد( بصفته كجزء) بمؤسسات، ونظم مجتمعه( بصفتها ككل). بينما يعرف الاندماج الاجتماعي بأنه انغماس الفرد في أنشطة مؤسسات، ونظم مجتمعه.
ويعبرا مفهومي التكامل والاندماج الاجتماعيين عن مفهوم المشاركة المجتمعية، الذي يمكن تعريفه إجرائيا بأنه المشاركة الفاعلة للفرد في الأنشطة (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية) الأساسية لمجتمعة،الذي يعيش فيه(هيلز، جون و ولوغران وبياشو،2007).
وتقاس المشاركة الفاعلة للفرد في النشاط الاقتصادي لمجتمعه، بموجب معيارين أحدهما استهلاكي يعبر عنه بإنفاقه على حاجاته الأساسية، المتأتي من دخله ، الذي يشترط فيه أن لا يقل عن المتوسط العام لدخول أفراد مجتمعه. أما المعيار الآخر، فهو إنتاجي، تؤكده العلاقة الفاعلة للفرد بالنشاط الاقتصادي ( عدم التعطل عن العمل).
بينما تقاس المشاركة الفاعلة للفرد في النشاط السياسي لمجتمعه، من خلال ترشحه للانتخابات العامة، وتصويته فيها ، وعضويته في المؤسسات المجتمعية المدنية، مثل: الجمعيات، النقابات، الأندية، والأحزاب.
أما المشاركة الفاعلة للفرد في النشاط الاجتماعي، فأنها تقاس من خلال تفاعله الاجتماعي مع الآخرين في مجتمعه، لا سيما مع أفراد أسرته، بمعنى أن يجد من مجتمعه و أو أسرته: شخصاً يصغي أليه، يشجعه، يساعده في أثناء الأزمات، يرتاح أليه ، ويقدره حق التقدير.
سادسا: مفهوم النوع الاجتماعي:
يعبر مفهوم النوع الاجتماعي، عن العلاقة الاجتماعية التفاعلية بين الجنسين، التي تنم عن التفاضل أو التكامل بينهما، تحت تأثير ثقافتهما المجتمعية، المحددة مسبقا لأدوارهما، ومهامهما، الذين عليهما القيام بهما، وإلا فأنهما سيوجهان سخط مجتمعهما المحلي، من خلال وصومه السلبية، التي تلصق بهما.
ومصدر هذه العلاقة، ومحدد طبيعيتها، هو المجتمع، الذي أوجدها عبر تطوره التاريخي، من خلال علاقاته الإنتاجية( انجلس،1986)، التي آلت إلى تقسيم العمل بين أعضائه، بالاستناد إلى خصائصهم، التي جعلت بعضهم يتبع للآخر، من باب تباينهم في الملكية الخاصة، التي يحوز عليها الذكور، أكثر من الإناث؛ لاحتكارهم العملية الإنتاجية، تحت ذريعة قدرتهم العضلية، وتفوقهم العقلي، وغيرهما من الذرائع الأخرى، التي قد لا تصمد أمام النقد الموضوعي، في العالم الحر، الذي نعيش فيه اليوم، القائم على الحق الإنساني، كما يظهر من مواثيقه، التي تروج لها الأمم المتحدة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، التي وقعت وصادقت عليها غالبية الدول.
ومثلما اوجد المجتمع، قضية تبعية الأنثى للذكر، فإنه يمكن له أن يوجد حلها، من خلال نظمه، ومؤسساته، لكن ذلك يتوقف على أعضائه، الذين عليهم التمسك بحقوقهم، التي كفلتها تشريعاتهم المحلية والدولية، وعدم التمييز بينهم، والمبادرة لتغيير أوضاعهم الاجتماعية، من خلال استعانتهم بمواطن قواهم الداخلية، واقتناصهم لفرصهم الخارجية.
فمن يستعين بقواه الداخلية، ويقتنص فرصه الخارجية منهم، فإنه قد يكون مؤهل للإنتاج، الذي يحجب عنه استبعاده الاجتماعي، ويعظم من مشاركته المجتمعية الفاعلية في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وعليه يتضح أن تعزيز الإنتاجية والنوع الاجتماعي، صنوان متلازمان في الحضور والغياب، فإذا وجد الأشخاص القادرين على الربط المحكم بين مواطن قواهم الداخلية، وفرصهم الخارجية، فإنه قد يوجد التغيير، الذي ينم عن حسن نوعية حياتهم، لكن ذلك يبقى يتوقف على نوعية ظروفهم الموضوعية، والذاتية، التي تتحكم بهم في ضوء جنسهم.
ففي العالم العربي، ما زالت معدلات المشاركة الاقتصادية للنساء العربيات، دون المستوى المطلوب( برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وبرنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية، 2006 : 88-90)؛ للثقافة الذكورية السائدة، التي تضعهن في موقع المعولات، ولقلة فرص العمل، التي يتسابقن مع الذكور على اقتناصها ، ويحصل عليها الذكور، أكثر منهن، وللتمييز ضدهن في التشغيل والأجور، ولارتفاع مستوى إنجابهن، وتبعاته، وللتشريعات، التي تعيقهن، ومثيلاتها، التي تحميهن، ولضعف الخدمات المساندة من وسائل النقل ودور الحضانة، التي تشجعهن على الخروج للعمل، ولتأثير برامج التعديل الهيكلي عليهن، لكون تلك البرامج قد تودي إلى انكماش القطاع العام، الذي قد يقلص من فرص عملهن الرسمية، أو إلى إتاحة فرص العمل أمامهن في القطاع غير الرسمي، الذي قد لا يوفر لهن الحماية القانونية وضمانات العمل. ولهذا، فقد كن من صاحبات الدخل القليل، الذي أبقهن ضمن فئة المستبعدين أو المهمشين اجتماعيا، على المستوى الاقتصادي.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75375
