الطفل أحمد فقد الأمل بفقدان رجله
بعينين موجعتين استقبلنا، وبابتسامة حزينة ناشدنا، وببراءة عذبة أسرنا.. إنه الطفل السوري "أحمد" في الحادية عشرة من عمره، والذي فقد قدمه بينما كان يلعب امام المنزل في منطقة العريضة على الحدود السورية.
أبسط احلامه أن يقود دراجته الهوائية وان يلعب كرة القدم ويقفز ويركض ويتسلق الجدران.. وهي احلام أيّ طفل في عمر الأزهار يستغيث من أجل الحياة.
"احمد" هو واحد من مئات الجرحى ممن سلبتهم الحرب في سوريا أطرافهم.. هؤلاء الجرحى لا يشعر بأنينهم إلا مَن يطرق بابهم، ولا يشعر بمرارتهم إلا مَن يستمع إلى معاناتهم.
اطلاق مشروع الأطراف
بعد أكثر من سنة ونصف على بدء الأزمة السورية، تطلق جمعية الإرشاد والإصلاح الخيرية الإسلامية وبتمويل من "قطر الخيرية" مشروعا ً يعيد الأمل إلى القلوب والحياة إلى العيون..إنه مشروع الاطراف الاصطناعية للجرحى السوريين، ويشمل كافة المراحل من علاج فيزيائي وفحوصات وتركيب اطراف ذات الجودة المعروفة عالميا ً.
جال فريق العمل على ثلاث مستشفيات في مدينة طرابلس شمال لبنان، وقابل عشرات الجرحى ممن خسروا أطرافاً..ليختار الحالات الأكثر حاجةً للاطراف، وذلك للمباشرة في المرحلة الأولى من المشروع.
كم هم منسيون ومهملون رغم انهم يعيشون بيننا.. لكل جريح قصة، ولكل نظرة معاناة!
الطفل احمد.. والدراجة
معاناة تجتر المعاناة رغم اختلاف القصص التي توحّدها الأوجاع.. ومعاناة الطفل السوري "احمد" مريرة للغاية، وكانت عيناه مليئتين بالتساؤلات، كأنه ينتظر منا بارقة أمل. كان يحدّق بنا بابتسامة عذبة تـُخفي أعمق الأحزان وأشدّ الآلام، ويقول: "وعدني أبي بدراجة هوائية عندما أحصل على درجة الإمتياز في العلامات المدرسية النهائية.. درستُ ليلا ً ونهارا ً لأحصل عليها..لكن كيف سأركب الدراجة الآن؟".
يكمل كلامه وابتسامة حزينة ترتسم على وجهه: "أحلم أن أتابع دراستي وأصبح لاعب كرة مشهور.. لا أعرف إن كان عليّ تغيير طموحاتي بسبب ما حدث لي..".
تقول والدته بغصّة ألم: "خلال أيام تحولت ضحكته المضيئة إلى بكاء مستمر وحزن لا نهاية له.. لو كان بوسعي أن أقدم له قدمي لفعلت، ولكن هذه حكمة الله وقدره.."، تصمت بعد أن اختنق صوتها بالدموع.
الفتى منار.. سئم الوعود
كعشبٍ يابس يشتاق لمطـرٍ غزير تُعيـد قطراته ربيع الحياة، يناشدنا الفتى "منار" (16 سنة) بطرف اصطناعي. ففي عينيه يسكن الضياع، لكنه ليس ضائعا ًإلى حدّ الصمت. يقول بينما بدت عليه عوارض التعب والاعياء: "أصعب شيء في الحياة أن تعيش على امل المساعدة ومد يد العون"، ويضيف بتأفف "بصراحة أرقد في المستشفى منذ سنة، ولم اسمع سوى الوعود بتركيب طرف لي.. لقد سئمت من الكلام".
وأضاف "اتمنى ان أتعافى وأعيش حياة طبيعية مثل اترابي من جيل الشباب..أحلم بالأمل والمستقبل والعلم والعمل".
يحلم "منار" بالحياة، يرهقه المرض ويشحب وجهه، لكنه لا يزال يحلم! رغم كل المرض والحرمان يحلم.. وعلى أبواب الصمت تحلـّق أمنياته الصغيرة أملا بمَن يساعده في تركيب قدم اصطناعية تعينه على مستقبل مشرق وحياة واعدة.
من يمسح دموع "عبد القادر"؟
"أكثر ما يؤلمني أنني لا أستطيع أن أمسح دموعي بنفسي…"، يقول "عبد القادر" بدموع حارقة، وعيناه ترويان معاناة أب سوري خسر يديه الاثنتين خلال الحرب في سوريا.
يناشد أهل الخير مساعدته أملاً بتوفير حياة كريمة، فيقول بغصّة وأمل: "أناشد الضمائر الحية وأصحاب القلوب الرحيمة والايادي الكريمة وفاعلي الخير أن يساعدوني في العيش بكرامة.. كل ما أريده هو أطراف اصطناعية تساعدني على خدمة نفسي واعالة اسرتي.. الحمد لله لا زلتُ قادرا ً على العطاء.. أريد العمل.. فقط العمل، ولا أستطيع العمل بلا يدين".
حسنة… نصف إنسانة
قصص كثيرة ومشاهد حزينة تستوقفنا في مستشفيات طرابلس، لكن حكاية "حسنة" تأبى العيون تصديقها، ولو لم يزرها فريق الجمعية، لاعتبرها نسجا ً من الخيال!.
بدموعٍ محبوسة في عينيها تقول: "خلال لحظة واحدة خسرتُ زوجي وطفليّ وقدميّ.."واستدركت: "أبتسم لكلّ زائر… أشعرهم أنني سعيدة بشهادة زوجي وطفليّ.. لكنني في داخلي اتمزّق.. اشتقتُ لابني عبد العزيز ولطفلتي تالينا.. تُرى هل نطق زوجي الشهادة قبل استشهاده؟".
بصوت مرتجف بفعل الدموع، تقول بحسرة: "الأيام تمضي ببطء شديد.. أتظاهر بالنوم لساعات طويلة لكي أخفف من عبء مساعدتي عن الآخرين.. صرت نصف إنسانة ينظر إليّها الآخرون بشفقة".
رغم مأساتها، تظهر صبراً جميلاً، وتكتب الأشعار.. فتقول بابتسامة حزينة: "هناك أمل.. ولن أفقده، بل سأتمسّك بالحياة لانني أعرف أنّ الله سبحاته وتعالى يمتحن صبري وايماني".
التفاؤل والامل
التفاؤل.. المحبة… الإصرار…الأمل.. كلها مشاعر اجتمعت في عيون الجرحى عندما أبلغناهم أن الجمعية ستتبنى مشروع الأطراف الاصطناعية لهم..
ولا تزال جمعية الارشاد والاصلاح الخيرية الإسلامية، وبتمويل من "قطر الخيرية" وغيرها من الجهات المانحة تنفذ مشاريعها الإنسانية لإغاثة الشعب السوري، وآخرها مشروع الأطراف الاصطناعية الذي يزرع الابتسامات في القلوب ويصنع اشراقات السعادة في العيون.. ويؤمن مستقبلا ً واعدا ً.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75574
