الفيضانات احدى تداعيات التغير المناخي الناتج عن الاحتباس الحراري- أرشيفية
حرص المجتمع الدولي خلال العقود الأخيرة على بذل كافة الجهود الممكنة لمواجهة ظاهرة التغير المناخي والتي باتت بحق تهدد الحياة على سطح كوكب الأرض، حيث أدركت الامم المتحدة المنظمة الجامعة لدول العالم أن تغير المناخ يتطلب استجابة عالمية طويلة الأجل، تتماشى مع أحدث الاكتشافات العلمية، وتتسق مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي سبيل ذلك عقدت العديد من المؤتمرات الدولية لمناقشة أسباب ظاهرة التغير المناخي ووضع أفضل الحلول والسياسات لمعالجتها، ولإلزام الدول الصناعية الكبرى بتحمل مسؤولياتها باعتبارها من الأسباب الرئيسية لحدوث تلك الظاهرة، وكانت هناك محطات رئيسية في تلك الجهود الدولية يجب التوقف عندها.
ومن أبرز تلك المحطات "اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ"، التي اعتمدت في نيويورك في التاسع من مايو 1992، فقد صدَّق 191 بلداً على تلك الاتفاقية والتزمت تلك البلدان بوضع استراتيجيات وطنية لمواجهة "الاحترار العالمي".
وفي مؤتمر الأطراف الأول، الذي عقد في برلين أوائل عام 1995، بدأت جولة جديدة من المحادثات لمناقشة وضع التزامات أقوى وأكثر تفصيلاً وتحدد اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ إطاراً عاماً للجهود الدولية الرامية إلى التصدي للتحدي الذي يمثله تغير المناخ ، حيث تنص الاتفاقية على أن هدفها النهائي هو تثبيت تركيزات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي عند مستوى يحول دون إلحاق ضرر بالنظام المناخي.
فقد اتفقت الأطراف في الاتفاقية على عدد من الالتزامات للتصدي لتغير المناخ، إذ يجب على جميع الأطراف أن تعد وبصفة دورية تقريراً يسمى "البلاغات الوطنية"، وهذه البلاغات الوطنية يجب أن تحتوي على معلومات عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في ذلك الطرف وأن تصف الخطوات التي اتخذها وما يعتزم اتخاذه من خطوات لتنفيذ الاتفاقية.
وتقتضي الاتفاقية من جميع الأطراف تنفيذ برامج وتدابير وطنية للتحكم في انبعاثات غازات الانحباس الحراري والتكيف مع تأثيرات تغير المناخ، واتفقت الأطراف أيضاً على تشجيع استحداث واستخدام تكنولوجيات لا تلحق ضرراً بالمناخ ، والتثقيف والتوعية العامة بشأن تغير المناخ وتأثيراته، والإدارة المستدامة للغابات وغيرها من النظم الإيكولوجية التي يمكن أن تؤدي إلى إزالة غازات الاحتباس الحراري من الغلاف الجوي، والتعاون مع الأطراف الأخرى في هذه الأمور.
وتقع التزامات إضافية على عاتق البلدان الصناعية التي تسمى "أطراف المرفق الأول" بموجب الاتفاقية، وهذه الأطراف اتفقت أصلاً على الاضطلاع بسياسات وتدابير بهدف محدد هو إعادة حجم انبعاثاتها من غازات الاحتباس الحراري إلى المستويات التي كانت عليها في عام 1990 بحلول عام 2000، ويجب أيضاً على الأطراف المدرجة في المرفق الأول بالاتفاقية تقديم بلاغات وطنية أكثر تواتراً، ويجب أن تقدم على حدة تقارير سنوية عن انبعاثاتها الوطنية من غازات الاحتباس الحراري.
كما يجب على البلدان الأغنى (التي تسمى الأطراف المدرجة في المرفق الثاني بالاتفاقية) تشجيع وتيسير نقل التكنولوجيات غير الضارة بالمناخ إلى البلدان النامية وإلى البلدان التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقال ، ويجب أيضاً أن تقدم موارد مالية لمساعدة البلدان النامية على تنفيذ التزاماتها عن طريق مرفق البيئة العالمية الذي يمثل الآلية المالية للاتفاقية ، عن طريق القنوات الثنائية أو القنوات الأخرى المتعددة الأطراف.
ويأتي مؤتمر كوبنهاجن للتغيرات المناخية التابع للأمم المتحدة الذي عقد خلال الفترة من 7 ديسمبر حتى 18 ديسمبر 2009 بمشاركة 193 دولة، من بين أبرز الجهود، حيث كان الهدف منه إبرام اتفاق عالمي جديد لحماية البيئة من مخاطر التغيرات المناخية وتخفيض انبعاث الغازات الدفيئة.
وقد انتهت المحادثات بإقرار اتفاق لمحاربة ظاهرة الاحتباس الحراري، وهذا الاتفاق تم توقيعه بين الولايات المتحدة والهند والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا، وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنه تم التوصل إلى "اتفاق معقول" خلال المحادثات الجارية حول التغيرات المناخية.
لكن وصفت بعض وفود الدول النامية المشاركة في المؤتمر الاتفاق بأنه "غير مقبول" ويضع الاتفاق هدفاً بتحديد الزيادة في درجة حرارة الأرض عند حد أقصى يبلغ درجتين مئويتين على الفترة التي سبقت عصر الصناعة، وهو الحد الذي يعتبر بمثابة البداية لحدوث تغيرات خطيرة مثل المزيد من الفيضانات والجفاف والانهيارات الطينية والعواصف الرملية وارتفاع مناسيب البحار، لكن الاتفاق لم يوضح كيفية تحقيق ذلك.
وتضمن الاتفاق تخصيص 30 مليار دولار للأعوام الثلاثة التالية على انعقاد المؤتمر للدول الفقيرة لمواجهة مخاطر تغيرات المناخ، على أن ترتفع إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020.
لكن كانت هناك عدد من التحفظات على نتائج هذا المؤتمر، إذا تمثل الموقف العربي منه في الدعوة إلى أن يكون هناك حد فاصل بين التزامات الدول المتقدمة وبين الأنشطة الطوعية للدول النامية والتي يجب أن تتناسق مع مصالحها الوطنية وأولوياتها التنموية، والتأكيد على تقديم الدعم المالي والتقني وبناء القدرات للدول النامية من الدول المتقدمة والذي يجدر أن يكون قابلاً للتحقق منه والتقييم والمراجعة.
وجاء مؤتمر " كانكون " للتغير المناخي من بين المحطات الهامة في الجهود الدولية الرامية إلى مواجهة ظاهرة التغير المناخي، فقد عقد المؤتمر في نوفمبر من عام 2010 ، وقد انتهي في ختام أعماله إلى اعتماد حزمة من القرارات لمساعدة الدول على التقدم نحو مستقبل منخفض الانبعاثات، وهو ما وصفه كبار المسؤولين الأمميين بنصر في معركة ضد أحد أبرز تحديات العصر، وقد أطلق على حزمة القرارات اسم " اتفاق كانكون ".
وتتضمَّن الحزمة تعهدات بإضفاء طابع رسمي على التعهدات بالتخفيف من حدة الانبعاثات وضمان زيادة المُساءلة بشأنها، فضلاً عن اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية الغابات في العالم، وضمان عدم وجود فجوة بين فترتي الالتزام الأولى والثانية من بروتوكول" كيوتو".
وأكدت على ضرورة الإبقاء على ارتفاع درجات حرارة الأرض عند درجتين مئويتين، ودعت إلى إنشاء صندوق لتمويل المناخ على المدى الطويل لدعم البلدان النامية (الصندوق الأخضر) بهدف تعزيز أسواق الطاقة النظيفة في مختلف أنحاء العالم ومُساعدة الدول الناميَّة في التكيف مع انعكاسات تغيُّر المناخ والتصدي لها، وتسهيل الوصول إلى أحدث التقنيات والتمويل الدولي للعديد من المشاريع والمُبادرات التي تقوم بها العديد من الدول لخفض انبعاثات الكربون وحماية البيئة.
وشدد المؤتمر على ضرورة تعزيز التعاون في مجال التكنولوجيا وتعزيز قدرة السكان المُعرَّضين للخطر على التكيف مع تغير المناخ ، وحث على إدخال مشاريع تجميع الكربون وتخزينه ضمن " آلية التنمية النظيفة"، ومن ثم فإن هذه المشاريع أصبحت مؤهلة للحصول على تمويل، وهذا لم يكن مُنتظرًا على الإطلاق، فالدول العربية النفطية أمامها فرصة تاريخية للاستفادة من الدعم لتطوير مشاريع تجميع الكربون وتخزينه، مما يخفض الانبعاثات ويعطي البترول فسحة للاستخدام الأنظف.
ومن بين المحطات الرئيسية الاخرى في الجهود الدولية لمواجهة ظاهرة التغير المناخي ، مؤتمر "ديربان" الذي عقد في أوائل ديسمبر من عام 2011 ، والذى تم خلاله اتفاق جميع البلدان المشاركة فيه على تبني اتفاق قانوني عام بشأن مكافحة تغير المناخ بحلول عام 2015.
فقد توصل المشاركون فيه إلى اتفاق على تمديد العمل ببروتوكول كيوتو الذي يحد من الانبعاثات الكربونية إلى ما بعد العام 2012، و بالتفاوض على معاهدة جديدة للمناخ طويلة المدى.
وسمح اتفاق ديربان بإقرار "خارطة طريق" في اتجاه اتفاق عام 2015 لخفض انبعاثات الغازات، فضلا عن انشاء " صندوق أخضر " لمساعدة الدول النامية على مواجهة ظاهرة التغير المناخي.
وقد أبدت الدول الناشئة سريعة النمو مثل الصين والهند تمسكا كبيرا ببروتوكول كيوتو، لأنه يسمح بالفصل بين بلدان الشمال الغنية التي تضطلع بمسؤولية تاريخية في تراكم مستويات ثاني أكسيد الكربون في الجو، و باقي دول العالم.
كما أقرت البلدان في الوقت نفسه بضرورة مضاعفة الجهود للحد من انبعاثات غازات الدفيئة ولمساعدة البلدان النامية على التكيف مع بعض الآثار الحتمية لتغير المناخ.
وقد تم إطلاق عدد من المبادرات في ديربان، حيث أطلق البنك الدولي مسابقة "تطبيقات من أجل المناخ" بحثا عن تطبيقات برمجية مبتكرة يمكنها المساعدة في حل بعض المشاكل الإنمائية التي تنشأ عن تغير المناخ.
كما تم أيضا إطلاق أحدث طبعة من " كتيب البيانات الخاص بتغير المناخ " للبنك الدولي والذي يقدم موجزا للبيانات القطرية والدولية والإقليمية التي تغطي كافة الموضوعات المتصلة بالمناخ.
وأعلن البنك الدولي، بالتعاون مع أربعة بنوك تنمية متعددة الأطراف أخرى، عن إقامة شراكة جديدة لتحسين تنسيق وتعميق دعم المدن في التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره.
ولمساعدة البلدان الأقل نموا على الحصول على تمويل الاستثمارات منخفضة الكربون وتمكينها من الاستفادة من أسواق الكربون بعد عام 2012 ، أطلق البنك الدولي مبادرتين ماليتين جديدتين هما " مبادرة الكربون من أجل التنمية " و "الشريحة الثالثة من صندوق الكربون البيولوجي"، وتم الإعلان عن تمويل إضافي للدول الجزرية الصغيرة النامية، ومن شأن ذلك أن يدعم شراكة التمويل الإضافي للدول الجزرية الصغيرة النامية.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75723
