الاحتياجات الإنسانية في جنوب السودان لا تزال هائلة
أدى الاتفاق الذي تم في 2005 لإنهاء عقود من الحرب الأهلية في جنوب السودان إلى بعث الأمل لدى العديد من الأشخاص بأن الإغاثة الإنسانية المتصلة بالصراعات سوف تفسح المجال تدريجياً لعائدات السلام من مساعدات تنموية ونمو اقتصادي. لكن بعد مرور ثماني سنوات، لازالت الاحتياجات الطارئة في جنوب السودان المستقل حالياً هائلة، في ظل طلب هيئات المعونة لأكثر من مليار دولار لمخاطبة هذه الاحتياجات في 2013.
وقد كتب توبي لانزر، منسق المساعدات الإنسانية في نسخة شهر مايو من مجلة "هيومانيتيريان إيكتشينج" أو التبادل الإنساني أن "هناك سؤالاً رئيسياً، وهو كيف يمكن أن نستمر في الاستجابة لحالات الطوارئ دون إغفال احتياجات التنمية الأطول أمداً".
إنه توازن يُصعب تحقيقه، كما قال جوك مادوت جوك، وكيل وزارة الثقافة والتراث بجنوب السودان الذي انضم إلى لانزر في لجنة شُكلت الأسبوع الماضي بواسطة معهد التنمية الخارجية. وأضاف جوك قائلاً: "لقد أصبحت الحاجة للعمل الإنساني تسود البلاد بأكملها" كما تستقطب أغلبية تمويلات الجهات المانحة.
ويرجع ذلك، في جزء كبير منه، إلى أن الاحتياجات الإنسانية في جنوب السودان لاتزال هائلة بعد مرور ما يقل عن عامين على استقلال البلاد.
ويتوقع برنامج النداء الموحد لعام 2013 الخاص بجنوب السودان، والذي يجمع بين الطلبات المقدمة من 114 منظمة غير حكومية وهيئة أممية مختلفة، أن 4.6 مليون نسمة على الأقل – من أصل إجمالي عدد السكان المقدر بحوالي 11.8 مليون نسمة – سوف يحتاجون إلى مساعدة خلال هذا العام. ويشتمل هذا على أكثر من 4.1 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات غذائية و350,000 لاجئ من مناطق مثل السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى، وفقاً لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). وتقدر المنظمات أن هناك حاجة إلى 1.16 مليار دولار لمساعدة 3.3 مليون نسمة من هؤلاء الأشخاص خلال العام الحالي.
غير أن المسؤولين الحكوميين وهيئات المعونة أعربوا عن رغبتهم في الاستفادة من الأموال في أكثر من مجرد تلبية الاحتياجات الماسة. وعليه، دعوا إلى التحول نحو تعزيز التنمية طويلة الأجل بشكل متزامن مع تلبية تلك الاحتياجات، مثل تحسين البنية التحتية وبناء قدرات المجتمعات المحلية حتى تتمكن البلاد في نهاية المطاف من الخروج من دوامة الأزمات الإنسانية.
تحقيق التوازن بين الاستجابة الإنسانية والتنمية
وقد كان كول مانيانغ جوك، حاكم ولاية جونقلي، في طليعة المسؤولين الذين واجهوا واحدة من الأزمات الإنسانية الكبرى التي عانت منها البلاد لأكثر من عام وذلك في أعقاب محاولات ديفيد ياو ياو، زعيم المتمردين في جونقلي، الإطاحة بالحكومة. وقد وصل عدد المحتاجين إلى مساعدات إنسانية بالدولة إلى 190,000 شخص في عام 2012، وفقاً لبيانات للأمم المتحدة.
مع ذلك، أخبر جوك شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه لا يريد أن يرى هيئات المعونة متقيدة بتقديم خدمات الطوارئ في مجال الصحة والغذاء فقط. وأوضح أنه يرغب في تقديمها المساعدة لحكومته من أجل بناء الطرق. وقد صرح للجنة معهد التنمية الخارجية قائلاً: "نحن بحاجة إلى ربط المقاطعات والمجتمعات المحلية."
فمن خلال ربط المجتمعات المحلية وتشجيع التجارة، توفر هذه المشروعات فرص العمل وتخفف من حدة التوترات حيث يتم استثمار قدرات الناس – وخاصة الشباب – بصورة أكبر في الحفاظ على الاستقرار. وأضاف قائلاً: "هذا هو الأمر الأساسي. وإن لم نقم به، فسوف تستمر أعمال العداء".
وقد كتب لانزر أن التركيز على هذه الزاوية يجب اعتماده على مستوى دولة جنوب السودان بأكملها.
وأوضح أنه من خلال تركيز الجهات الفاعلة بشكل حصري جداً على الاستجابات الإنسانية، فإنها "تفشل في معالجة الأسباب الكامنة التي تقوض سبل العيش المستدامة والإنتاج الزراعي والنمو الاقتصادي وتديم نمط الطوارئ. وفي ظل محاولة تدعيم أحدث دولة في العالم، نحن بحاجة إلى مساعدة جنوب السودان على تدارك الأزمات، وليس مجرد الاستجابة لها".
من جهته، صرح لانزر أن الأمم المتحدة تروج للاستجابات الإنسانية والعمل التنموي المتزامن معها. فعلى سبيل المثال، بينما تقوم هيئات المعونة بتوزيع الغذاء، يتم تشجيعها على إقامة روابط مع مجموعات أخرى لتطوير برامج التغذية المدرسية، التي من شأنها إبقاء الأطفال في المدارس، أو استخدام المساعدات الغذائية كحافز لدفع المجتمعات المحلية لبناء الطرق. وفي حين أن التركيز الرئيسي هو توصيل الغذاء للملايين الذين يفتقرون للأمن الغذائي في جنوب السودان، يرى لانزر أن هذه البرامج يمكن أن "تكون نقطة انطلاق لمعالجة بعض التحديات الكامنة."
تقلص التمويل
وأشار لانزر إلى أنه من الأسهل الحصول على الأموال من أجل الاستجابة للأزمات عنه لتمويل مشروعات التنمية طويلة الأمد. وقال أن أكثر من نصف إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية التي تتلقاها جنوب السودان تُخصص للمشروعات الإنسانية.
وحتى هذا المال على وشك أن ينفد، وفقاً لنيك هيلتون، منسق أمانة منتدى المنظمات غير الحكومية بجنوب السودان.
ويضع حجم جنوب السودان والافتقار إلى البنية التحتية عقبات أمام العاملين في مجال المساعدات للوصول إلى بعض أكثر المجتمعات بعداً. وهذا، بالتالي، من شأنه أن يسهم ارتفاع قيمة الأموال المطلوبة ضمن برنامج النداء الموحد للبلاد، الذي يُعد ثاني أكبر برنامج على مستوى العالم بعد الصومال.
وقال هيلتون أن "مجتمع المانحين يعاني من بعض الإجهاد بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل" في جنوب السودان. وحتى تاريخ كتابة هذا التقرير (27 مايو)، تم تمويل 45 بالمائة فقط من برنامج النداء الموحد لهذا العام.
وفي خطة توفير المساعدات الإنسانية لعام 2013، قالت دائرة المساعدات الإنسانية التابعة للمفوضية الأوروبية (إيكو).أنه من غير المرجح أن تتقلص تكلفة تقديم المساعدة من دون إقامة مشروعات تنموية طويلة الأجل تعمل على الحد من نطاق الاحتياجات الإنسانية بالبلاد. ويأتي هذا التصريح ليؤكد على الحاجة إلى العمل التنموي المتزامن مع المساعدات الإنسانية.
وعلق جوك أن نهج القيام بمشروعات التنمية وتقديم المساعدات الإنسانية المتزامن يتفق مع ما يريده سكان جنوب السودان. فبينما تركز التقارير الدولية عن جنوب السودان على نقص الغذاء والصراعات العرقية، تحرز الحكومات المحلية والوطنية، بالتعاون مع هيئات المعونة، تقدماً فعلياً نحو تحسين شبكات الطرق وتغطية الهواتف المحمولة. من ناحية أخرى، نما معدل الالتحاق بالمدارس من 300,000 في 2005 إلى 1.8 مليون في العام الماضي. وقال جوك أن الناس يسعون لتحسين أوضاعهم والبدء في عملية إعادة البناء. "نحن مجتمع بإمكانه الصمود أمام هذه الأزمات وتجاوزها."
والجدير بالذكر أن هذه البرامج المتزامنة يجب أن تنُفذ على نطاق واسع، وفقاً لما يراه لانزر الذي أضاف: "لا أحد يرى" أن الاحتياجات الإنسانية في البلاد سوف تنتهي في غضون السنة أو السنتين المقبلتين. "ولكن يجب أن نضع هذا نصب أعيننا".
المصدر: شبكة المؤسسات الإنسانية – إيرين
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75921
