معبر رفح.. مقصلة أحلام أهالي غزة

غزيون عالقون على معبر رفح

يمكن لدقائق معدودة أن تظن أن هناك معبر يسمى "معبر رفح".. أمن على البوابة، صالة فلسطينية، وأخرى مصرية، قسم لاستلام الجوازات وآخر لتسليمها، وباصات تأتي وتروح.. يكفي فقط أن يقال لك ولعشرات أو مئات مثلك أنتم "مرجعون" لتدرك أنك في مقصلة.

 معبر رفح الواقع على الحدود الفلسطينية المصرية، أقصى جنوب قطاع غزة المحاصر، هو المعبر الوحيد الذي يصل القطاع بالعالم الخارجى، ينتهي اليوم ليكون واحدا من محطات التعذيب لآلاف الفلسطينيين، بقرار من السلطات المصرية.

 تغيرت مسار الحافلات هنا، كانت تدخل المعبر الفلسطيني، ومنه إلى المعبر المصري، ثم إلى العالم الخارجي. واليوم، تتشنج الحافلات في المعبر الفلسطيني، ينادي الضابط الباشا: "الحواسيب معطلة ارجعوا"، "حسبنا الله ونعم الوكيل" يصيح أحد المسافرين المقهورين.

 بعد أشهر من محاولة الحصول على فيزا للدراسة في تركيا، تتحقق أمنية سمير موسى (23 عاما) من شمال قطاع غزة، يسجل في إدارة السفر ويحزم أمتعته في حقيبة صغيرة، بانتظار إدراج اسمه في كشف المسافرين ليوم الأحد، ضمن عشرات الطلبة.

لبس سمير النظارة السوداء، وبات يرى الأمل يتضاءل أمام عينيه، فـ 300 مسافر فقط يغادرون من بين نحو 8 آلاف ينتظرون، والوقت أمامه ضيق، والدراسة تبدأ بعد يومين.

"والله إنا مش إرهابيين، احنا يهود ولا إيش؟ يا عمي إحنا بشر، إلنا حقوق إنسانية أقلها الحق في التعليم والسفر، هذه ليست مصر التي تفعل بنا ذلك، لا مش مصر" يقول سمير لمراسل "المركز الفلسطيني للإعلام".

وبالنسبة لسكان قطاع غزة، بات هذا هو الوضع الطبيعي في ظل حكم العسكر في مصر، والذي يرى في حركة حماس، السلطة الحاكمة لقطاع غزة، ذراعا يمينا لجماعة الإخوان المسلمين، ويغض طرفه عن آلاف في غزة لا تنتمي لحماس، ولا تهمها السياسة أصلا.

في معبر رفح لا يصعب إيصال فكرة المعاناة بكل معاني قسوتها، فعدم سفر مريض سرطان لتلقي العلاج الكيماوي، أو تأخر طالب عن جامعته، هذا إذا لم يلغ تسجيله، وانتهاء إقامة ثالث، مشهد حي هناك.

 "أرأيتها ضاقت علينا وحدنا، يا كاتب التاريخ ماذا جد فاستثنيتنا"، يقتبس سمير من شعر الفلسطيني تميم البرغوثي، ليرسم صورة الألم الذي يعتصر قلبه.

ويقول: "كل الناس في العالم تسافر بحرية، إلا نحن، كُتبت علينا المعاناة، لماذا لسنا كباقي البشر؟ يصعب عليّ تفسير ذلك".

رجع سمير المرة الأولى، وحاول ثانية فرجع، بدأ اليأس يتسلل إليه، لولا تشجيع أهله له، حاول الثالثة يوم الأربعاء، فسمح له بالسفر، لتبدأ محطة جديدة من المعاناة، ليلة كاملة يقضيها في مطار القاهرة، هكذا دون أي سبب.

يعيش ذات المعاناة عشرات الطلبة مثله في المطار، قضوا ليلهم يتسامرون، حديثهم المعبر وموعد الطائرة، وإلى متى يستمر الألم، ويسود الصمت لأوقات أطول، يعقبه شيء من الفأل.

ولم يشفع زوال يد الاحتلال عن معبر رفح عام 2005، لفئات كثيرة من الشعب الفلسطيني، حرمت من متنفس إلى العالم الخارجي، بل بقي يشكل شوكة في حلوق الناس، يكرهه الكبير ويحقد عليه الصغير.

من على بعد، يمكن الحكم على قسوة الوضع في معبر رفح، فالمار من هناك، يجد عشرات الحافلات تحوم حول نفسها، ينتهي يومها بالرجوع من حيث أتت، وقفات طلابية، إسعافات تحمل المرضى رغم صعود الشمس الحارقة إلى كبد السماء.

واحتمال تحسن الأمور معدوم في ظل حكم العسكر الذي يرى في غزة عدوا له، ويتجاهل تضحيات وتاريخ مشترك، اختلط خلاله الدم الفلسطيني بالدم المصري في معارك يسجلها التاريخ.

وفي محيط المعبر، ثمة آليات صهيونية تعمل على إزالة الأنفاق الحدودية، الشريان الوحيد الذي كان يمد قطاع غزة بالغذاء والدواء والوقود، يقول أحد المواطنين هناك: "هي جزء من معاداة شاملة لكل ما هو فلسطيني".
 
يظهر معبر رفح في ظل تلك المعمعة أشبه بمقصلة، يدخلها المسافرون، يلقون فيها أصناف التعذيب تحت حر الشمس، تضيع آمالهم هناك، ويعودون أدراجهم يواجهون ألوانا أخرى من المعاناة مع انقطاع الكهرباء وانعدام الوقود وحياة شاقة في ظل الحصار.

وأظهر تصنيف شركة دولية متخصصة في رصد القيود المفروضة على التأشيرات للتنقل بين دول العالم، أن جواز السفر الفلسطيني يُعد خامس أسوأ جواز سفر في العالم من حيث المشاكل التي تواجه حامله، في حال قرر الحصول على تأشيرة سفر.

"دائما حياتنا جحيم، متى ندخل الجنة!"، قال الطالب سمير قبل أن يغادر بالطائرة من مطار القاهرة إلى جامعته في تركيا، ويدعو لإخراج معبر رفح من نطاق التنازع السياسي، وأن ينطر العالم للوضع الإنساني على المعبر.

كانت بداية المأساة لأهالي القطاع عندما احتلت "إسرائيل" معبر رفح إلى جانب شبه جزيرة سيناء المصرية سنة 1967، حيث لم يكن يفصل بين رفح المصرية والفلسطينية أي حدود، وتشكلت علاقات اجتماعية كبيرة.
 
وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد العام 1978 وتنفيذ الشقّ الخاص برسم الحدود الفلسطينية المصرية تم فصل رفح المصرية عن رفح الفلسطينية وتمَّ تشتيت العائلات وفصلها عن بعضها البعض، مما أدى إلى خلق كارثة إنسانية، وخاصة بعد أن تحكمت "إسرائيل" بالحدود ومنعت تنقل الفلسطينيين من خلالها.

وقد تم تشييد المعبر بعد الاتفاق المصري الصهيوني للسلام، وظلت تديره هيئة المطارات الصهيونية إلى غاية (11 سبتمبر 2005).
المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام