ملايشة وزيود..التعلم لا يحده عمر أو قيود

الحاجة ملايشة على مقعد الدراسة

اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد مقولة وجدت تطبيقها لدى مسن ومسنة في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، حيث ثابروا واجتهدوا دون أن يشكل تقدم العمر والظروف الاجتماعية مانعا من تحقيق أحلامهما.

فقد تخطت الحاجة الفلسطينية عريفة ملايشة من بلدة جبع جنوب جنين برنامج محو الأمية، لتعود إلى مقاعد الدراسة رغم وصولها إلى سن السبعين في الوقت الذي حصل فيه الستيني حسني زيود على شهادة البكالوريوس وما يزال طموحه في الاستزادة من العلم ممتد.

وتقول الحاجة عريفة لمراسلنا إنها التحقت قبل ربع سنوات ببرنامج محو الأمية الذي تنظمه مديرية التربية والتعليم في قرى جنين وبلداتها.

وحول إصرارها على التعلم في هذا العمر قالت: "سأتعلم ما بقي من عمري، ولن أفكر بهذا الأمر؛ فطلب العلم ليس له عمر محدد، وطالما أتيحت الفرصة فيجب الاستفادة منها".

ظروف اجتماعية قاسية

وتعيش الحاجة عريفة وحيدة في منزلها المكون من غرفة واحدة منذ أكثر من 20 عاماً، بعد أن رحلت والدتها عن الدنيا، وقالت إن تفرغها لرعاية والدتها حال دون زواجها، وأكدت أنه لو عاد الزمان بها إلى الوراء، لتزوجت بأي طريقة كي لا تبقى وحيدة، فلا أحد يزورها اليوم سوى بعض الجيران، وتعيش من مخصصات الشؤون الاجتماعية.

وبإصرار تبدأ الطالبة المسنة نهارها بشكل مختلف، وتسلك طريقاً طويلاً معبداً بالحجارة من بيتها إلى المدرسة، حاملةً دفترها الصغير وقلم رصاص، ترافقها في الطريق زميلات الدراسة اللاتي يصغرنها بعقود.

وتقول إنها بدأت تقرأ أحرف الكلمات، وشيئاً فشيئاً أصبحت تجيد القراءة والكتابة وتسعى للتعلم أكثر، كي تتخطى أي صعوبة تواجهها في القراءة أو حتى في المواد الدّراسية الأخرى.

وأضافت أنها لو تمكنت من الدراسة في سن مبكرة، لكانت اليوم موظفة وتتلقى راتباً شهريا؛ مؤكدة أن الظروف اختلفت والدنيا تغيرت وما هو متاح اليوم للمرأة لم يكن متاحا في السابق.

وفي مشهد يدلل على إصرار ملايشة على التعلم؛ فاجأتنا بمبادرتها لتعلم استعمال الحاسوب؛ حيث بدأت تستخدم الحاسوب بعد أن أتقنت أساسياته مصممة على استخدام كافة وسائل الاتصال.

وقالت عريفة: إنها في البداية تعلمت على استخدام الهاتف النقال لأول مرة؛ ثم الحاسوب لتعوض انقطاعها عن العالم ولتكسر عزلتها وتستزيد في طلب العلم.

 طلب العلم فريضة

وفي مشهد مماثل وبعد انقطاع عن الدراسة مدة 40 عاما، استطاع المواطن حسني زيود (63 عاما) من بلدة سيلة الحارثية غرب جنين الحصول على درجة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية من الأكاديمية الإسلامية المفتوحة بالرياض.

ويشير زيود لمراسلنا إلى أنه وخلال ثلاث سنوات من الدراسة حصل على المركز الأول في دفعته بدرجة الامتياز، مع العلم أنه أب لـ12 ابنا من الذكور والإناث وجد لاثنين وعشرين حفيدا.

ويقول الحاج حسني إن حلمه اكتمل بالحصول على هذه الدرجة فكان الحلم هذا يراوده منذ حصوله على شهادة الثانوية العامة عام 1969 من إحدى المدارس في مدينة جنين ولكن بسبب ظروف عائلته الصعبة وبساطة الحياة في ذلك الوقت تحمل المسؤولية حيث كان معيلا لـ 21 فردا.

وأضاف بعد أن اجتياز هذه الأمور أردت إكمال الحلم حيث حاولت الانتساب إلى جامعة الخليل التي ألغت القرار في ذات العام، وأعاد المحاولة مرة أخرى في الانتساب لجامعة لاهاي التي ساعدته بالتوجه إلى الأكاديمية الإسلامية المفتوحة بالرياض وكانت هذه بداية مرحلة جديدة بالنسبة له.

مثابرة وجد

ويستعرض زيود تحديه وإصراره على نيل الشهادة قائلا: خلال فترة الدراسة في السنوات الثلاثة الأخيرة كنت أخذ قسطا من النوم لثلاث ساعات فقط أبدأ يومي بعد صلاة الفجر بالدراسة لثلاث ساعات وأنهي يومي بثلاث ساعات أخرى للدراسة، فقد استطعت أن اقسم وقتي ما بين العمل وعلاقاتي الاجتماعية والدراسة وما زلت احلم بالحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه.

وحول كيفية الدراسة قال إن تعليمه عن بعد وعبر الشبكة العنكبوتية حيث كانت الجامعة تنشر في صفحتها الخاصة محاضرات العلماء والطلبة يستمعون إلى هذه المحاضرات، بالإضافة إلى أن الجامعة كانت توزع الكتب عبر شبكتها العنكبوتية "وبدورنا نقوم بطباعتها وقراءتها".

وأشار إنني استطعت الوصول إلى مبتغاي بعد أن اطمأننت على أبنائي الاثنى عشر منهم محاضرين في جامعات فلسطينية وخليجية، حاصلين على درجة الدكتوراه في الفيزياء والصيدلة والكيمياء والبقية من أبنائي مهندسين وأطباء ومعلمين.

ووجه رسالة إلى الشباب قائلا اطلب العلم من المهد إلى اللحد وكان هذا شعاري وعلى الجميع أن يجعل الحصول على العلم هو مبتغاه حتى لو كان على فراش الموت.