القهوجي.. بيع النفس مقابل علاج الأطفال

القهوجي وأفراد عائلته

دقّ هاتفه النقال فرد مسرعاً وكأنه ينتظر من يسأله عن أحواله المريرة، حيث الفقر والمرض قد أصابه وزوجته وأطفاله الصغار دون أن يفرق بينهم، فكل من يعيش في البيت معرض للإصابة بالأمراض القاتلة.
حسن محمد القهوجي يبلغ من العمر 40 سنة ويسكن بحي الشيخ ناصر بمدينة خان يونس في قطاع غزة، أب لتسعة أبناء، خمس بنات وأربعة أولاد، أصابتنا القشعريرة ودمعت عيوننا حزناً ونحن نستمع منه عن معاناته المرضية وحالته المادية التي حلّت به وانعكست على أسرته.
 
حديث مؤلم
 
"القهوجي" الذي كان يعمل قبل سنوات في سوق الخضار بائعاً أصبح يعاني من التهابات حادة بالظهر جعلته غير قادر على ممارسة عمله، إضافة إلى إصابته بالتهابات الكلى وتشنجات عصبية وحالات هستيريا.
أما ابنه البكر "ثائر" يبلغ من العمر 17 عاماً قصته مع المرض ظهرت منذ ولادته حيث يعاني من موت بعض الخلايا وضمور في المخ وفيروس بالدم، ولأن وضع العائلة الاقتصادي "تحت الصفر" لم يتلق أي علاج وبقي على حاله المبكي!
فيما تعاني بناته الصغار "سلسبيل" 10 سنوات التي تعاني من إعاقة بصرية، و"رهف" تبلغ من العمر سنتين ونصف و"إيام" عام ونصف، وقد تسلل المرض إليهن نتيجة لعوامل وراثية، حيث عذابات نوبات من الصرع وحالات إغماء متكررة وزيادة كهرباء في أجسامهن.
 
المأساة لم تنتهي
 
ويستمر القهوجي يروى آلامه لوكالة أنباء "الرأي" وهو ينتقل من ابن لآخر لشرح تفاصيل مرضه إلى أن وصل إلى زوجته التي كانت تقف خلف الباب والحسرة تلفها تنبه زوجها وتذكره بم تفلت من ذاكرته لكثره همومه وتشعبها.
"أم ثائر" التي ترعى أطفالها المرضى بما تيسر لها من مساعدة أهل الخير تعاني هي الأخرى من التهابات مزمنة وخشونة في العظام وأخرى نفسية، ولا تجد مالاً لتصرف وصفة الدواء أو أي من المسكنات رخيصة الثمن.
 
ثعابين وقوارض
 
البيت الذي يجمع أسرة القهوجي يفتقد إلى أدنى مقومات الحياة البسيطة، فلا يوجد به شبكة للكهرباء والماء والصرف الصحي، ولا أثاث وفراش يقي الأطفال من برودة الشتاء القارص.
الثعابين والقوارض التي وجدت ضالتها في هذا البيت فعشعت فيه بل تمادت في غيها لتصحو الأم ذات ليلة على صراخ وليدها وقد التف التعبان عنقه!
ويذكر أبو ثائر أنه وجد أكثر من ثعبان يجرى وسط البيت إضافة لعدد كبير من الفئران التي لا تفارق المكان خصوصا في فصل الصيف، مضيفاً "أخشى على أولادي في هذا البيت غير الآمن لذلك لا أتركه إلا للضرورة، ومن ثم أعود على وجه السرعة.
موقف آلمنا كثيراً عند خروجنا من بيت القهوجي وإذ بابنهم محمد ابن الصف الخامس ابتدائي عائد من مدرسته وقد حمل حذائه بيده خوفاً عليه أن يهترئ! فلا يجد بديلاً له.
 
"بيع أعضائي"
 
الأب الذي يقف حائرا لا يعرف كيف ينقذ أولاده من إخطبوط المرض المتشابك في ظل تردي وضعه الاقتصادي والمادي، حيث لا يستطع توفير "بكيت الملح" على حد وصفه فيضطر إلى استلافه من الجيران ليسد رمقهم.
يقول القهوجي ذات يوم ذهبت إلى مستشفى ناصر لأعرض على الأطباء بيع أعضائي لمن يحتاجها من أجل علاج أولادي!، مؤكداً أن عدم الالتفات لوضعهم الصحي وعجزه عن توفير علاجهم دفعه إلى إحراق نفسه ليتخلص من هذا الكابوس الذي يطارده دون توقف.
لكن عائلة القهوجي لم تقطع الأمل ولا يزال يراودها في علاج أطفالها وأن تجد من يعمل على تسكين آلامهم وأوجاعهم التي تؤرق دنياهم وترميم مسكن يليق بآدميتهم.