غزة..(صالح) أصم أبكم يبدع في اختراع الآلات

احدى اليات المبدع صالح

كلما ذكر الشاب الأصم والأبكم "صالح أبو عمرة" في قطاع غزة امتدح الناس موهبته وتأسفوا في الوقت ذاته على إبداعه الضائع هدراً دون تقدير.

تجاوزت قدرات "صالح" البالغ من العمر 18 عاما كل توقعات الناس، من يديه اللتين صنعتا عدة آلات جمعت بين المعدات والمضخات وآلات الدفع بإمكانات متواضعة دون أن ينبس لأحد ببنت شفّة.

العقل الميكانيكي الذي يحمله الشاب تمكن به من صناعة عدة عربات من نوع المعدات الثقيلة مجهزة بالهيدروليك، لا تنقصها سوى بعض الإمكانات المادية لتحسين تلك الاختراعات، وهو أحياناً يعجز عن توفير بعض القطع الكهربية أو الميكانيكية لتحسين عمل ما أعدّه.

الورشة

في نوبة انقطاع التيار الكهربي المتكرر عن غزة يلجأ محمد أبو عمرة وولديه "عبدالله وصالح" لفترة استراحة طويلة أو ينجزون بعض المهمات مثل تركيب الأبواب والنوافذ الحديدية خارج الورشة.

يقول والد صالح السيد محمد أبو عمرة إن ابنه "الأصمّ والأبكم" صالح يملك قدرات وإبداع لافت، فقد تمكن من صناعة عربة "ضخّ الباطون" وكذلك عربة "المكسر" التي تخلط الباطون وتزوده بالمضخة وعربة "الكبّاش" بينما يعكف الآن على صناعة عربة "نقل المعدات" وهي ليست مجسمات، بل تدور وتعمل بشكل آلي.

يقاطع صالح والده مشهراً دفتراً مقلّباً صفحاته التي تحمل رسومات لكل آلة وعربة يصنعها وقد رسمها بالقلم الرصاص وكتب عليها المقاسات الهندسية وأسماء الأجزاء.

ويؤكد الأب أنه أنجب خمسة أولاد وخمس بنات، منهم 3 صم وبكم، أولهم صالح ويليه اثنان آخران يدرسان في مدرسة لذوى الاحتياجات الخاصة تركها صالح قبل عدة سنوات حين كان في الصف السابع ولجأ للعمل في ورشة والده.

كلما راودته فكرة لجأ لشبكة الإنترنت واستخرج كثيراً من التفاصيل، ثم يستعين بشقيقته الكبرى "نعمة" (23 عاما) لتعاونه على الكتابة والقراءة ليسقط المقاسات وأسماء الأجزاء على الرسوم قبل الشروع في العمل.

عرض صالح ووالده ما صنع على كثير من المؤسسات وزارتهم في البيت عدة فضائيات ووسائل إعلام لكن أياً من وعودهم لم تثمر حتى اليوم.

فقد صالح أعصابه عدة مرات وحطم أجزاءً من مشغولاته، لكنه يعاود صناعتها وقد أعلن صالح ووالده عدة مرات أن أمنيته الوحيدة هي السفر خارج فلسطين والالتحاق بمؤسسة أو دولة ترعى موهبته.

أما شقيقه الأكبر عبد الله الذي يرافقه في العمل بنفس الورشة فيقول: إن صالح يتقن مهنة الحدادة في معظم تفاصيلها ويعتمد عليه والده في تركيب كثير من المصنوعات خارج الورشة.

يسند عبد الله ظهره للجدار ويضيف: "لا يترك العمل بالورشة ولا يعود لاختراعاته إلا بعد انتهاء العمل، أنا أول ما انتبهت لقدراته، لكن مشكلته أنه بحاجة لاهتمام وبحاجة لمن يرعى موهبته".

إبداع وإعاقة

الإبداع والتميز الذي حمله صالح رغم الإعاقة لم يمنع والدته من ملاحظة ذكائه الحاد منذ صغره، فقد حافظت على إمداده بألعاب الذكاء منذ كان طفلا.

عن ذلك تضيف الأم: "منذ طفولته وهو هادئ وخجول لكنه عنيد جدا! لكنه إيجابي ..ولما كبر صار يتولى إصلاح كثير من آلات البيت مثل الغسالة والخبازة ثم ظهرت موهبته في الصناعة، وأنا أتمنى أن يسافر لأي دولة حتى ترى مواهبه النور".

 وتتهم الأم التي تترأس جمعية "نبراس" للتنمية، المجتمع المحلي بالتقصير في حق "الصمّ والبكم"، فهم لا يجدون الرعاية الكافية لمواهبهم وحتى حاجاتهم الضرورية.

كامل الحواس

قبل عدة أسابيع كان المهندس عامر سلامة من بلدية دير البلح في مهمة عمل بمنطقة "حكر الجامع" هناك حدثوه عن إبداع الشاب فزاره في ورشته ورأى ما أدهشه.

يقول المهندس سلامة إنه كان في فترة استراحة قرب ورشة والد صالح، ورأى ما صنع، وعلم أنَّ كثيرا من المؤسسات رأت إبداع صالح.

ويضيف: "سمعت من البعض أنَّ بعض المؤسسات الأجنبية علمت بإبداعه، وأنا أقول: المفروض نحن في قطاع غزة نستفيد من هذه العقلية ولا نتركها".

أما د. وليد شبير الأخصائي الاجتماعي والمحاضر بالجامعة الإسلامية، فيؤكد أن "الأصم والأبكم" كثيراً ما تكون لديه قدرات فائقة في فنون مثل "الرسم-الكتابة-صناعة المجسمات-الابتكار-صيانة الآلات".
 
ويشير إلى أن "صالح" حالة من حالات إبداع كثيرة في مجتمع قطاع غزة، فالأصم والأبكم يملك تقريباً كافة الحواس سوى "السمع والنطق"، وقد أبدع كثيرون منهم في الصناعة ومجال الكمبيوتر والهاتف الجوال مؤخرا.

ويحلم "صالح" باليوم الذي ترى فيه إبداعاته النور سواء في قطاع غزة أو خارجه، فالإمكانات المادية والدعم المعنوي واللوجستي يحول دون خروج اختراعاته للواقع.
المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام