اضطر المئات من العالقين داخل قطاع غزة من بينهم طلبة ومرضى، وعائلاتٌ مصرية للمبيت لليوم الثالث على التوالي، أمام بوابة معبر رفح البري، في ظل الأجواء الباردة جدًا لعدم تمكنهم من اجتياز المعبر خلال فتحه يومي الخميس والجُمعة استثنائيًا أمام الحالات الإنسانية.
ولم تجد العائلات المصرية ملجأ لها سوى أن تفترش الأرض، وسط الأجواء الباردة والمُغبرة جدًا، وتبيت أمام بوابة معبر رفح من الجانب الفلسطيني، عل أحدًا يرأف بحالتها، وتعود لبلدها، التي يفترض أن تعود لها دون عاقٍ أو مانع.
ولم تأبه تلك العائلات برودة الطقس، والغبار الذي ملأ أجسادها وحقائبهم التي تحولت لوسائد يتكئون عليها وينامون، ويصرون على ألا يغادروا بوابات معبر رفح البري، حتى يسمع مناشداتهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ويفتح المعبر لهم، كونهم مواطنين مصريين، ولهم الأحقية بالعودة لموطنهم.
معاناة تتراكم
عاشور إبراهيم (28عامًا)، من سكان مدينة الإسماعيلية المصرية، وافترش وعائلته المكونة من "11فردًا" الأرض، على بُعد "20مترًا" من بوابة معبر رفح من الجانب الفلسطيني، ووضعوا حقائبهم وأمتعتهم، على أحدًا يرأف بحالتهم ويسمح لهم بالعود لبلدهم.
لم يأبه "عاشور" وأفراد أسرته من بينهم والديه المُسنين، اللذان تجاوزا السبعون عامًا، الغبار الكثيف والبرد القارص، وبقوا جالسين، على أمل تمديد معبر رفح أمس السبت، وتكون له فرصة سانحة بالسفر، في أخر محاولة لهم، بعدما ضاقت به السُبل.
وأتى "عاشور" لغزة وأسرته لتزويج ابنة عمه في الثامن والعشرين من مايو/أيار الماضي، وانهوا مراسم الزواج، وقرروا العودة، لكنهم لم يتمكنوا، إلا أن اضطروا للمبيت أمام بوابة المعبر، في إحدى الكافيتريات المُغلقة، وتوفر لهم الجمعيات مأكل ومشرب، وبعض الملابس، لحين أواهم أهل الخير..
وبقيت العائلة المصرية تعيش في منزل لأهل الخير، لضيق منزل ابنتهم التي زوجوها بغزة، لحين فُتح المعبر في أغسطس/ أب الماضي ثلاثة أيام استثنائيًا، ولم يتمكنوا حينها من السفر، وباتوا ثلاث ليالي أمام المعبر، وعاد أهل الخير لاحتضانهم، وتوفير المأكل والملبس لهم.
وأتت فتحت المعبر الأخيرة وتنفست العائلة الصعداء، بعدما وعدها المسؤولون في الجالية المصرية بغزة، وفي معبر رفح، بأن يُدرج اسمها في مُقدمة الأسماء في الكشوفات، لكنهم صدموا على مدار اليومين الماضيين، ولم يتركوا مخرجًا إلا وسلكوه في سبيل البحث عن أسمائهم، ولم يعثروا عليها.
برد يكوي الأجساد
وبقيت العائلة تبيت منذ فجر الخميس الماضي حتى الآن أمام معبر رفح، في ظروف صعبة للغاية، وأنهك البرد أجسادها، لعدم توفر غطاء كافٍ لهم، على أمل أن يسافروا، ويشعرون بالخجل، من العودة للمبيت عند أهل الخير مُجددًا، فيما ترنوا بصيص أمل يرون من خلاله العلم المصري المُمزق من قدمه كما أجسدهم التي مزقها الألم!
ويقول "عاشور" لـصفا " : "لا يوجد لنا أقرباء هنا، الجميع لم يُقصر معنا، لكن نريد العودة لمصر بلدنا، الأولاد مدارسهم بدأت، وضاع عليهم نصف الفصل، ونحن لدينا عمل، وانقطعنا عنه، ومصر بلدنا ومن حقنا العودة لها، وعلى الجميع تسهيل سفر، ونقول لرئيسنا (نحن ولادك وأبناؤك)، أشعر بنا".
أما منى إبراهيم (35 عامًا)، أحد أفراد العائلة العالقة، فجلست تضع يدها على جبينها وتُغمض عيناها من شدة وكثافة الغُبار، وذرفت من عيناها الدموع، وهي تنظر لبوابة معبر رفح، التي يعود منها المُرجعين فقط، ولا تبعد عنها سوى أمتار، ويُحرم عليها عبورها، على أمل أن تُغادرها..
وتقول بنبرة حزن وألم لـمراسل "صفا" : "قدمت لغزة لتزويج ابنتي )سارة18عامًا) شمال غزة، ويرافقني زوجي وأطفالي، وعدد من الأقرباء، ولم نستطع العودة مُجددًا، بسبب إغلاق المعبر، ومأساتنا ما تزال قائمة، ونبيت في البرد، ولا أحد ينظر لنا، وعلى رأسنا أن يسمح لنا بالعودة للوطن (نحن أبناؤه(".
أنقذنا يا ريس
المواطن المصري عمر عطوة "38عامًا"، يجلس على ناصية الطريق وشقيقه، على بُعد أمتار من العائلة السابقة، ويُمسك بيده جوازات سفرهم، وأوراقهم الثبوتية، ويتكأ على حقائب السفر، التي أصبحت فراشه ووسادته
ويتحدث "عطوة" بينما امتلأت لحيته وشعره بالغبار ووجه بالكامل، لـمراسل "صفا" : "لليوم الثالث نبيت أمام معبر رفح، في ظل البرد القارص، على أمل أن نسافر ونعود لبلدنا مصر، ولكن لم نتمكن، واليوم السبت، ما زلنا متواجدين على أمل أن يتم فتح المعبر مُجددًا، ويرأف المسؤولين بحالتنا، كوننا مصريين، ولنا الحق بالعودة لبلدنا".
ويضيف "عطوة" (سكان محافظة الشرقية بمصر) "نحن مواطنين مصريين، أبناء الرئيس عبد الفتاح السيسي، والدولة المصرية، وهي مسؤولة عنا أبنائها، وعليه يجب أن تعمل الدولة ورئيسها على إعادتنا لمنازل، وأماكن عملنا، لأننا جئنا لغزة لفترة قصيرة، ومن ثم العودة مُجددًا، فلم يتبقى لنا شيء هنا وقال للرئيس السيسي (احنا ولادك يا ريس وأبناؤك، رجعنا لديارنا)".
ويتابع "جئت في الثالث من يونيو الماضي، لاستكمال باقية إجراءات ميراث والدي الذي توفى، ومكثنا وانتهت كافة إجراءاتنا، في أغسطس الماضي، وقررنا العودة، ولمن نتمكن، فلا مأوى لنا هنا، واحتضنتنا عائلة فلسطينية برفح من أهل الخير، لحين فتح المعبر، ونشعر بالخجل للعودة لها، بعدما لم نتمكن من السفر".
وللطلبة معاناة لا تختلف عن العائلات المصرية كثيرًا، فالشابة مرفت فرحات "18عامًا"، فهربت هي الأخرى من البرد القارص والغُبار داخل إحدى الكافتيريات القريبة من المعبر، ووالدها يجول ويتشدق بأي شخص ويسأله عن أي معلومات حول تمديد عمل المعبر.
وتقول فرحات: "سجلت للسفر قبل ثلاثة أشهر، عندما وصلني قبول بقسم الطب البشري بجامعة عين شمس، ولم أتمكن من السفر، لأن رقم تسجيلي (10.702)، ولم يصله الدور في السفر، ودراستي بدأت وانتهى فصل تقريبًا، وأمام هذا الواقع الصعب فقدت الأمل بالسفر".
المصدر: صفا
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=76410
